مجتمع

العلاج النفسي: النساء أشجع من الرجال؟

 يُسمّيهم المجتمع مجانين، فقليلون هم من يدركون أنّ المرض النفسيّ يحتاج إلى علاج، شأنه شأن الأمراض العضويّة. ويحمل مجتمعنا العربي (أو ربّما العالم أجمع) فكرة سلبيّة، لا أساس لها من الصحّة، عن تجارب الاكتئاب والقلق والتأخّر الدراسي، وغيرها من الاضطرابات النفسيّة الّتي نعاني منها. وهذا ما ينتج عنه عدم شعور الفرد بأهميّة اللجوء إلى طبيب نفسي، يُساعده على اجتياز الأزمات الّتي قد تواجهه في الحياة.

تحتاج الآلام النفسيّة إلى علاج، مثلها مثل آلام المعدة أو صداع الرأس. إلّا أنّ الفارق بينهما هو ما يُثير حفيظة البعض، فالألم العضويّ نستطيع وصفه للطبيب بسهولة، فيما لا نستطيع أن نحدّد: في أيّ منطقة يُوجد الألم النفسيّ من كياننا؟ ومن أين يأتي؟ وهكذا يصعب علينا أن نعالجه!

“إنّ النساء أشجع من الرجال عندما يتعلّق الأمر بطلب المساعدة”، هذا ما قاله أحد الأطبّاء النفسيّين في صفحته على الفيسبوك. وفي هذا السياق، التقت مــيــم بعدد من الحالات اللّاتي لجأن إلى طبيب نفسيّ، لنتعرّف عن قرب عن أسبابهنّ في ذلك.

عجز عن المواصلة

في البداية تقول س.ع: “قرّرت أن ألجأ إلى طبيبي النفسي حينما عجزت تمامًا عن اتّخاذ قرارٍ مصيريٍّ في حياتي الّتي توقّفت بعد أحداث عظيمة مررت بها. في ذلك الوقت، كنت يائسة من الحلول التقليديّة، وغير قادرة على التماهي مع المشكلة في الآن نفسه. ولكن في أوّل جلسة علاجيّة، اكتشفت أنّ مفهوم الطبّ النفسيّ مشوَّه تمامًا في نظري، وأنّ الطبيب ليس مجرّد مستمِع عاديٍّ أحدّثه عن هواجسي بلا هدف، بل كُنّا نضع خطّة علاجيّة محدّدة، نتابع نتائجها، من حين إلى آخر، لأعرف معه كم تقدّمتُ وإلى أين سأصل.

لم أقلق من حكم المجتمع عالى الاستشارات النفسيّة، لأنّها باتت ضرورة فعليّة في ظلّ ما نُواجهه اليوم من مشكلات تؤثّر علينا سلبيًّا، فتتعطّل حياتنا تمامًا. كما وجدت الدعم من أهلي الّذين كانوا يتابعون تطوّر حالتي بمساعدة الطبيب، ويقومون بإعانتي على ما يطلبه منّي كي أتجاوز المشكلة.

فعلًا، إنّ البنت أشجع لأنّها أضعف، لذلك تحتاج الدعم بشكل أدعى من الرجل الّذي يدّعي السلامة دائمًا ولا يعترف بأنّ لديه مشكلة..!”

وتقول هـ.م: “لم ألتفت أبدًا إلى نظرة المجتمع، عندما قرّرت اللّجوء إلى  طبيب نفسيٍّ. فقد أهلكني الوسواس القهريُّ، واكتفى الأطبّاء جميعهم بوصف الدواء فحسب عندما زرتهم، وهذه الأدوية لم تجعلني أتحسّن. ولكن عندما لجأت لطبيبي النفسيّ الحالي، تحسّنت حالتي كثيرًا. ويعود هذا الأمر إلى أنّه كان يستعمل العلاج النفسي الجسدي جنبًا إلى جنب مع العلاج السلوكي المعرفي، وهو ما شفاني إلى حدّ كبيرٍ، وجعلني أكثر قدرة على التعامل مع الأفكار الوسواسيّة بشكلّ عام. فالمرض لم يختفِ 100%، لكنّ حياتي تبدّلت كثيرا، والحمد لله.

إكتئاب ودعم أسري

أمّا ح.م فتقول: “كنت أعيش خارج مصر، عندما تُوفِّيَ والدي قبل ثمانية أعوام تقريبًا. ولم أستطع حينذاك أن أتخطّى الأمر بشكل كامل، فقد تعرضّت لمشاكل كبيرة، بعد عودتي إلى موطني، فتحت جرح فقدي لوالدي مجدّدًا، واكتأبت اكتئابًا شديدًا.

فاقترحت عليَّ والدتي أن أطلب المساعدة من طبيب نفسيٍّ لأنّني أحتاج مساعدة حقيقيّة من متخصّص ينتشلني من حالة الاكتئاب الّتي أصابتني ولم أجد منها مخرجا. وبعد كلّ جلسة علاج، كنتُ أشعر بتطوّر حقيقيٍّ، ألامسه في تغيّر نظرتي عن نفسي وعن الحياة وعن المشكلة الّتي أواجهها.

فقد كنت مقتنعة، اقتناعًا شديدًا، بأنّ الطبيب النفسيّ لا يقلّ دوره أهميّة عن الطبيب العادي. وهذا ما دفعني إلى إقناع أيّ شخص أستقرئُ فيه حاجة إلى علاج نفسي، أن يفعل دون أن يخشى نظرة المجتمع أو يخاف من كلام الآخرين.

المرأة أكثر شجاعة من الرجل

“النساء أكثر شجاعة من الرجال في طلب الدعم النفسي” كانت كلمة دكتور أحمد أبو الوفا – طبيب نفسي وصاحب مشروع التوعية النفسي باللغة العربية – في إحدى الفيديوهات التي يقوم بنشرها عبر صفحته على الفيس بوك متناولا في كل مرة إحدى الأفكار النفسية التي ترد إليه أو يقابلها في يومه كطبيب نفسي ..

وفي لقائه بمجلة ميم يقول دكتور أحمد أبو الوفا: “نعم النساء أكثر شجاعة في الإعتراف بالحاجة للمساعدة من الرجال ،فالمجتمع العربي يصم الرجل الذي يطلب المساعدة بأنه ضعيف ومهزوز أو غير مكتمل الرجولة ، أو يصفه بالجبن في مواجهة مشاكله وبالبعد عن الله وغيرها من الإتهامات التي تأخذ شكلا عكسيا عند الرجل فيرفض بكبريائه أن يطلب مساعدة الغير ، أما النساء فكنّ أكثر تفهما لمفهوم”طلب المساعدة” والذي يحتاج إلى شجاعة حقيقية لم تتوفر في الرجل ولكنها توفرت في المرأة بشكل كبير ، من ناحية أخرى أغلب الإضطرااتا التي تصل إلى العيادات النفسية الخارجية موجودة في النساء أكثر من الرجال ، فالإكتئاب مثلا نسبته 2 إلى 1 ، القلق 3 إلى 1 نسبة البنات إلى الشباب ،فكان من المنطقي جدا أن نرى في العيادات “مع شجاعتها في طلب المساعدة” النساء أكثر من الرجال.

ويضيف أبو الوفا: “السؤال الدائم والذي أقابله دائما هو متى ألجأ إلى الطبيب النفسي ، وكيف أعرف أن لديّ مشكلة تستدعي طلب المساعدة؟ بداية إذا ما كانت لدى الشخص مشكلة في علاقته بنفسه أو علاقته بالأخرين أو هناك مشكلة في المستوى الدراسي أو المهني تعطّل الحياة من حولنا وتجعلنا غير قادرين على إكمال الحياة بشكل جيد وتوقفنا عن الإستمرار في المضي، حينها تكون هناك ضرورة ملحة لمقابلة طبيب نفسي، وأغلب الحالات التي ترد إلينا في العيادات النفسية يكون لديهم مشكلة حقيقة في معرفة أصل  المشكلة ذاتها، يأتي المريض فيقول لا أعرف لماذا جئت لكني بحاجة إلى المساعدة، الأمر الذي قد يستغرق أكثر من جلسة بين الطبيب والحالة حتى يصلان إليها معا فيبدأ العلاج النفسي حينها.

 ويعترض أبو الوفا على مصطلح “موضة الطب النفسي” قائلا: “لا أظنّ أن هناك من يذهب إلى طبيب نفسي دون أن يكون لديه مشكلة حقيقية يبحث عن حلٍّ جذريٍّ لها بمساعدة المعالج، ربما لا يعرف ما المشكلة لكنه لا يلجأ إلى طبيب إلا إذا استشعر حاجة ماسة في ذلك، ربما انتشار الأمر في الآونة الأخيرة لسهولة الوصول للأطباء النفسيين عما قبل، وربما زيادة أعداد مقدمي الخدمة وإتاحتها عبر وسائل التواصل الإجتماعي التي يسرّت التواصل جعل هناك رغبة حقيقية عند الناس أن تذهب إلى العلاج النفسي بعد تفاقم المشكلات في الأونة الأخيرة”.

أسماء شحاتة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق