ثقافة

“السفساري” و”الحايك” والحدود بين الخاص والعام

رؤية العرب للحدود بين المجال الخاص والعام عبر اللباس التقليدي للمرأة

يقوم الموروث الحضاري العربي على احترام خصوصية الفرد. فلا يمكن لأي شخص من خارج أهل البيت أن يطّلع على تفاصيل المنزل، أو أن يدخل البيت بمجرد أن يُفتح له الباب، فقد كان هناك دائما حاجز يفصل بين ما هو خاص وماهو عام. هذا التقسيم لم يقتصر على الجانب المعماري فقط، بل تجلى في أنماط اللباس ايضا، والتي تختلف تفاصيلها وخطوطها العريضة بين ما ينتمي الى البيت وفضائه الخاص, وما يقع خارج دائرته، لاسيما بالنسبة للمرأة.

تشترك شعوب المنطقة في مخزون ثقافي ضارب بجذوره في اعماق التاريخ، ولعل من اهم ملامحه تراث الأزياء النسائية المتشبع بروح المجتمع الاسلامي، القائمة على التمييز بين العام والخاص. فنساء المنطقة كن قبل عقود وعلى امتداد قرون من الزمن لا يخرجن الى الفضاء العام الا متشحات برداء يغطي زينتهن، يختلف في ألوانه وتسمياته، لكنه يتشابه في خطوطه العامة ووظيفته. “العباية” و”الملاية” و”السفساري” و”اللحفة” و”الحايك” كلها أشكال متنوعة لرداء كان يرمز في عالم المراة للحدود الفاصلة بين الخاص والعام.

الحايك والسفساري 

“السفساري” في تونس و”الحايك” في الجزائر المجاورة، هو ثوب ابيض تضعه المرأة على رأسها و جسمها لستر جسدها عند الخروج الى الشارع. لكن السفساري التونسي يختلف عن الحايك، فهو مكون من قطعة واحدة فيما يتكون الحايك من قطعتين: ثوب يغطي الجسم و الرأس و نقاب تضعه المرأة على وجهها يظهر فقط عينيها، ويسمى “العجاز”.

فبقدر ما كانت المرأة تتجمل في بيتها و ترتدي افضل الثياب وأزهاها وأكثرها جاذبية، فقد كانت  محتشمة  في الفضاء العام. وكان الحايك أو السفساري وسيلتها لدخول العالم الخارجي و التحرك بحرية وسلاسة في إطاره.

وتختلف في تونس نوعية القماش المستعمل لخياطة السفساري، إذ نجد السفساري اليومي من القطن الذي ترتديه المرأة عند الخروج لقضاء حاجيات البيت، أو الذهاب إلى السوق أو الحمام العمومي وهي عادة اعتادت النساء على القيام بها مرة كل أسبوع على الأقل.

وهناك ايضا سفساري الحرير وهو للمناسبات و الأفراح. ويمثل كذلك رمزا للمكانة الاجتماعية المرموقة للمرأة، فالحرير الطبيعي المنسوج يدوياً على النول من الأقمشة باهضة الثمن و لا تطيق ثمنه سوى المرفهات. ويروى في الموروث الشعبي أن المرأة متوسطة الدخل كانت تدّخر من المصروف اليومي الذي يعطيها إياه زوجها لتوفر ثمن السفساري الحرير.

وقد سجل الحايك والسفساري حضورهما في التاريخ النضالي لشعوب المغرب العربي خاصة خلال الحرب الدائرة في المدن، فقد كانت النسوة يقمن بمهمات خطيرة كنقل السلاح والذخيرة وحمل المنشورات بين مجموعات الثوار في أماكن مختلفة، متخفيات خلف الحايك أو السفساري، لأن المستعمر كان يخشى الاقتراب من النساء المسلمات أو تفتيشهن تجنبا لاستفزاز الرجال وتاليبهم عليه.

كما استغل الثوار المجاهدون هذه الألبسة النسائية للتمويه ، و التنقل بسهولة بين الأزقة دون أن يفرقوا بينهم وبين النساء.

 

البيوت حرمات

يحافظ المعمار العربي للمنازل العتيقة في تونس على خصوصية سكانها، فلا تجد المنزل يفتح مباشرة على الأنهج والشوارع. فغالبا،  لا يفتح  الباب الرئيسي على الساحة الداخلية للمنزل مباشرةً بل على ممر مقوس يطلق عليه

 

اسم «السقيفة»، والتي نجد فيها مقاعد وأسرة يطلق عليها اسم «السدة»، يتم بناؤها من الحجر والرخام والجليز، وهي مخصصة لاستضافة الزوار الذين لا ينتمون للعائلة.

لايمكن لكل زائر أن يدخل الأقسام الداخلية للبيت العربي او ان يخترق حُجُبه. كما أن المرأة لا تفتح الباب إلا اذا كان زوجها أو أخوها أو أبوها خارج البيت، وتسأل عن الطارق قبل أن تفتح، ولا يدخل البيت في غياب زوجها إلا أحد أفراد عائلتها أو جاراتها.  كما أن كل البيوت كانت تفتح على ساحة كبيرة هي مصدر التهوئة لكل الغرف التي لا تحتوي على شبابيك تطل على الشارع. هذه الهندسة كانت تضفي شيئا من الخصوصية وتلف البيت  بهالة من السحر و الغموض.

كما أنها تتميز بخصائص أخرى فهي باردة صيفا ودافئة في فصل الشتاء، لأنها مبنية من الحجارة والطين، و تتميز بنظام تهوئة طبيعي عن طريق شبابيك صغيرة في سطح الساحة الداخلية يتم فتحها صيفا و تغلق شتاء.

منذ أكثر من 40 سنة تخلت المجتمعات المغاربية عن لباس الحايك و السفساري، وغزت الملابس الحديثة الأسواق والبيوت، باستثناء بعض النسوة اللواتي حافظن على لباسهن التقليدي. ندر اليوم ان تعترضك في أنهج المدن التونسية إمراة ترتدي السفساري، وأصبح دوره مقتصرا فقط على بعض المناسبات كمراسم الزواج، حيث ترتديه العروس عند التوجه إلى الحمام صحبة رفيقاتها.

أما البيوت العربية في المدن العتيقة فقد تركها اغلب أهلها مفضلين الفيلات الحديثة على الطراز الغربي، وتحولت هذه المنازل بعد هجرها إما إلى مقاه و مطاعم أو الى محلات تجارية. وتمت تهيئة البعض منها وتحويلها إلى ديار فخمة لضيافة السياح الأجانب المتعطشين لاكتشاف تراث ساحر يبدون اكثر شغفا وتقديرا لجماله وثرائه من أهله..

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على ““السفساري” و”الحايك” والحدود بين الخاص والعام”

  1. فكم كان لهذه الأزياء : الحايك والسفسارين والنقاب من روعة وجمال ، وكانت المرأة تلبسه أو تضعه على وجهها بكل رفق وتواضع ودون تضييق من أحد أو إرغام بل لا زال مثل هذا اللباس يوحي بنصاعة ومحتذ المرأة العربية والتي ترنو إلى مجدها في تراثها ودينها الحنيف .
    كما اشكر كاتبة الموضوع وأتمنى لها التوفيق .

اترك رد