مجتمع

الوردي للبنات والأزرق للأولاد؟

كيف غدت ألوان محددة مقترنة بالذكورة والأنوثة؟

“أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء الحياة المشتاقة لنفسها، بكم يأتون إلى العالم ولكن ليس منكم. ومع أنّهم يعيشون معكم فهم ليسوا مِلْكًا لكم”.

هذا ما يقوله جبران خليل جبران في كتابه “النبيّ”، مقدّمًا إجابة أرادها حاسمةً عن إشكاليّة التربية وعلاقة الآباء بالأبناء.  لكنّ السؤال يتكرّر من جديد مع كلّ جيل تبزغ شمسه، ومع كلّ مُستجدّ اجتماعيّ يُعيد تحريك السواكن. فما أوجَهَ أن نتساءل اليوم عن جُملة المسلّمات الّتي نربّي عليها أبناءنا منذ الطفولة –ولاسيّما منها تلك المُتعلّقة بالمظهر- دون وعي بمدى تأثيرها في نفسيّاتهم ونظرتهم للعالم،  بل ان أغلبنا يمرّ على العلامات المظهريّة الّتي تعوّدنا أن نَسِمَ بها أطفالنا مرور الكرام، وقلّ ما نعيرها اهتمامًا يُذكر.

أمّا إذا أخلّت هذه العلامات بقواعد وجودها، فإنّنا سنلاحظ ذلك فورا و نعجب له، وهو ما سنتطرّق إليه بأكثر تخصيص من خلال تركيزنا على العلامات المظهريّة المرتبطة بالألوان تحديدا كعنصر محدّد للهويّة الجنسيّة للطفل، فإذا بالألوان تفقد حيادها وتغدو علامات لذكورة أو أنوثة تستمرّ كذلك حتّى المراهقة وما بعدها.

والواقع أنّ هذه الممارسات، على عفويّتها، جديرة بالتمحيص، لانها تساعد على فهم بعض وجوه الممايزة الرمزيّة بين الجنسين في مُجتمعنا. ولتحقيق ذلك، سنقف على أحد أكثر الأمثلة شيوعًا، وهو خصّ الآباء أبناءهم الذكور -عند الولادة وفي سنوات الطفولة الأولى- باللون الأزرق وبناتهم باللون الوردي.

الأبيض للبنات والأولاد:

حسب “باولاتي”، وهي مؤرّخة في جامعة مريلاند ومؤلّفة كتاب “الأزرق والوردي، تمييز البنات من الأولاد في الولايات المتّحدة الأمريكيّة”، تمكنَّا من معرفة أنّ اللونين الأزرق والوردي برزَا في منتصف القرن التاسع عشر بالولايات المتحدّة الأمريكيّة كلونيْن مميّزيْن للأطفال، لكن دون تعيين لخصوصيّة أيّ لون يعرف بجنس محدد للطفل.

واستمرّ هذا الأمر إلى حدّ الحرب العالميّة الأولى. ففي هذه الصورة الّتي اُلتُقطت عام 1884، يظهر الصغير فرانكلين ديلانو روزفيلت: Franklin Delano Roosevelt) 1882-1945‏)، الّذي سيصبح الرئيس الثاني والثلاثين للولايات المتّحدة الأمريكيّة، جالسا على كرسي مرتديًا ثوبًا أبيض. وحسب الصورة لا يُمكن أن نميّز إن كان الطفل ذكرًا أم أنثى إذ أنّ زيّه “محايد”.

وتطرح “PAOLETTI”هذا السؤال: لماذا تغيّرت أنماط ملابس الأطفال الصغار؟ كيف وصلنا في نهاية المطاف إلى تمييز “فرقتين”: الأولاد باللون الأزرق والفتيات باللون الوردي؟

وتقول: “إنّها قصّة ما حدث لملابس كانت في الماضي محايدة لتتحوّل إلى ملابس مُعرّفة بالجنس… لقرون ارتدى الأطفال الملابس البيضاء حتّى سنّ السادسة، فقد كان ذلك مناسبا من الناحية العمليّة للأمّهات لأنّ الحفّاظات كانت بيضاء وقطن التنظيف كان أبيض… لكلا الجنسين حتّى تظهر الأوساخ ويسهل تنظيفها بالمبيّض دون الوقوع في مشكلة فقدان اللون”.

وتضيف المؤرّخة: “إنّ المسيرة نحو الملابس الخاصّة بالجنسيْن لم تكن خطيّة ولا سريعة، ولم يتمّ الترويج لهذين اللونين بين الجنسين إلّا  إبّان الحرب العالمية الأولى، وحتّى ذلك الحين، استغرق فرز الأمور ووضع ألوان مخصّصة للذكور وأخرى للإناث من الثقافة الأمريكيّة الشعبيّة وقتا”.

الوردي للأولاد والأزرق للبنات

تقول باولتي إنّ مقالا نشر في جوان 1918 فحواه أنّ القاعدة المقبولة عموما هي ملاءمة الوردي للأولاد، والأزرق للفتيات. والسبب هو أنّ اللون الوردي متدرّج من اللون الأحمر الّذي يرمز للقوّة وبالتالي فهو أكثر ملاءمة للذكور، في حين أنّ اللون الأزرق يرمز لمريم العذراء أي أنّه أكثر حساسيّة ورقّة من الوردي فيكون أجمل للفتاة.

وتُواصل باوتلي استعراضها لجملة المواقف، فتخبرنا بمقاربة تزامنت مع خروج هذا المقال، مفادها أنّ اللون الأزرق ملائم للشقراوات، والوردي للسمراوات وأنّ الأزرق مناسب للأطفال أصحاب العيون الزرقاء، والوردي للأطفال بُنّيِي العينين.

كما تشير إلى أنّ مجلّة  تايمز طبعت سنة 1927 بيانا رسميًّا يبيّن الألوان المناسبة للفتيات والفتيان وفقا لمخازن الولايات المتّحدة الرائدة في بوسطن. يخبر البيان الآباء أنّ لباس الأولاد هو اللون الوردي ويظهر فتاة صغيرة بشريطة زرقاء وولدا صغيرا بشريطة ورديّة. ثمّ عكس هذا الأمر في حدود عام 1940 نتيجة تفضيلات الزبائن الأميركيّين كما فسّرها مصنّعو الملابس وتجّار التجزئة. وساهم تيسّر اختبار ما قبل الولادة في تقوية الممايزة على هذا الأساس. إذ أصبح بإمكان الآباء وزوجاتهم الحوامل أن يعرفوا جنس الجنين سلفا، ومن ثمَّ الذهاب للتسوّق لـ “الفتاة” أو “الولد”.

لا بد من التمييز؟

الآباء والامهات هم المستعملون الأساسيّون لهذه العلامة اللونيّة وهم ملتزمون كليًّا باعتماد اللون الأزرق للولد واللون الوردي للبنت. هذا ما أكّده البحث الميداني، فهذا الفعل يصدر أوّلا عن الآباء ثمّ الأقارب ومن بعدهم المهنّئون. وأغلب من حاورناهم من الآباء والأمّهات، أكّدوا أنّهم وضعوا هذه العلامة اللونيّة لأبنائهم السابقين وسيضعونها لأبنائهم اللاحقين لأهمّيتها في إعطاء إشارة واضحة ومفهومة عن جنس المولود وفي الترميز إليه.

فبالنسبة إلى “فوزيّة”، لا بدّ للمهنّئ أن يعرف جنس مولودها وإلّا فإنّها ستقع في إحراج إذا ما تحدّث أحدهم عن ابنتها بصيغة المذكّر أو عن ولدها بصيغة المؤنّث معتبرة أنّ هذيْن اللونيْن مميّزين جدًّا وصارخي التعبير عن الفرق بين الجنسين بعد الولادة، ولا سيما اللون الوردي الّذي لا يناسب غير الفتيات. ولكنّها في المقابل، لم تقدّم تفسيرا منطقيّا لهذه الرابطة، بل عَزَتْ ذلك إلى العادة والعرف، نافية في الآن ذاته أيّة إمكانيّة للاقتناع باللون الأزرق خيارا لأغراض ابنتها المنتظرة. وأقصى ما يمكن قبوله بالنسبة إليها هو اللون الأبيض- باعتباره لونًا محايدًا على حد تقديرها- أو بعض الألوان الفاقعة فيما يبقى اللون الوردي هو الأفضل والأمثل في التدليل على  أنثويّة ابنتها.

الأزرق للفأل السيء

في استجوابنا لمجموعة من كبار السن في تونس، أشار هؤلاء أنّ الأهل في الماضي كانوا يُلبسون أبناءهم بعد الولادة اللون الأبيض لأنّه يمثّل بالنسبة إليهم لون النقاء وأن اللون الأزرق لم يكن محبّذًا لا للذكر ولا للأنثى بعد الولادة لأنه يقترن بالفأل السيء في الثقافة الشعبية. فقد كان ينظر للأطفال الرضع أنهم مثل الملائكة كائنات بريئة، لا جنس لها. ولكن بعد تجاوز الثالثة أو الرابعة يشار لهم بعلامات أخرى ترتبط بالأنوثة والذكورة، كالقرط للبنت والشعر القصير للولد.

وقد وصف بعض من سألنا من المسنين  ما يشاهدونه من ألوان للبنت والولد ب”بدعة” لا تمتّ للثقافة التونسيّة بصلة. فاللون الأزرق، كما أشاروا، لم يكن محبّذًا في الماضي لأنه مقترن بالفأل السيء، مستدلّين بالتقليد الشائع بعدم إلباس الولد   الأزرق يوم ختانه وهو غير مستحب عند الولادة أيضا.

كل هذا يحيلنا إلى الدور الّذي يلعبه الآباء أوّلا، ومن بعدهم باقي الفاعلين الاجتماعيّين في تبنّي الأطفال لأفكار ورموز محددة حول هويّتهم الجنسيّة والممايزة بين الذكورة والأنوثة عبر الألوان في عمليّة التنشئة، دون التوقف عند ذلك والتفكير فيه أو البحث في أسبابه، في عملية استجابة لا واعية  لضرورات اجتماعيّة.

رحاب خترشي

الوسوم

اترك رد