مجتمع

تطبيقة جديدة للتصدي للتحرش الجنسي

كردة فعل لحالات التحرش الجنسي في وسائل النقل العمومي، خاصة خلال أوقات الذروة، تعالت أصوات كثيرة تطالب بوضع حد لهذه الظواهر المرضية وحماية المرأة منها. هذا ما حدا بمركز البحوث والدراسات والتوثيق والاعلام حول المرأة في تونس أن يطلق تطبيقة الكترونية تستخدم للإعلام بوقوع عمليات تحرش جنسي، إما من قبل المرأة التي تعرضت لعملية التحرش بوسيلة النقل، أو من قبل شهود العيان على الحادثة.

عن تجربتها الشخصية مع التحرّش، تروي ف.ز لمجلّة “ميم” ما تتعرّض له في وسائل النقل عموما وتقول “أتعرّض عديد المرات في اليوم للملامسة والتحرش في المترو والحافلة حين يشتد الإزدحام خاصة في الصباح عند الذهاب الى العمل والمساء عند الانتهاء”.

ويعرف الفصل 226 ثالثا من المجلة الجزائية التحرش الجنسي  أنه “الإمعان في مضايقة الغير بتكرار أفعال أو أقوال أو إشارات من شانها أن تنال من كرامته وأن تخدش حياءه وذلك بغاية حمله على الاستجابة لرغباته أو رغبات غيره الجنسية أو ممارسة ضغوط عليه من شأنها إضعاف إرادته على التصدي لتلك الرغبات “.

تحرش نفسي وآخر جسدي

ينقسم التحرش الجنسي في وسائل النقل العمومي إلى مظهرين، لفظي عن طريق الكلام في محاولة من المتحرش لفت انتباه المتحرش بها وانتظار ردة فعلها الإيجابية أو السلبية، وجسدي عن طريق لمس جسد المرأة أو وضع اليد على جسد المتحرش بها أو محاولة ملامستها او الالتصاق بها.

كما نجد في التحرّش نوعين هما “التحرش العرضي” أو “التحرش الموقفي”، بمعنى أنه سلوك عارض في حياة الشخص أو سلوك ارتبط بموقف معين وليس بالضرورة أن يتكرر، على عكس التحرش المرضي الذي فيه قابلية للتكرار ووراءه دوافع متجددة  للتورط فيه من حين إلى آخر.

أسباب تفشي الظاهرة

تعود الأسباب الرئيسية لتزايد حالات التحرّش الجنسي إلى قلة التوعية الجنسية للرجال واستغلال الازدحام في وسائل النقل التي تنعدم فيها أبسط وسائل المراقبة، ليقوم المتحرش بفعلته الشنيعة التي استوحاها في أحيان كثيرة من المواقع الإباحية، أو لمجاراته لغيره ممن باتوا يتنافسون في استعراض رجولة كاذبة من خلال التحرش بالنساء، لا مبالين بالأثر النفسي الذي يخلفونه لهن.

ويشير بعض مختصي الطب النفسي الجنائي إلى وجود عوامل خاصة ترتبط بالمتحرشين جنسيًا وتشمل وجود تاريخ سابق من التحرشات الجنسية أي التعرض إلى اعتداءات جنسية في الصغر، وأيضا أمراضا نفسية تتعلق بغياب الثقة والرغبة في اثبات الذات بشكل مرضي، ناهيك عن السجل إالسابق في الإجرام ومحاولة إخضاع الغير.

تتفاقم الظاهرة في ظل الصمت على هذه الأفعال وتجاهل المحيطين للمتحرش لفعل التحرش والتطبّع معه، وعدم الإكتراث بنداء الاستغاثة الذي تطلقه المرأة عند مضايقتها ومقاومتها لمن يعتدي عليها ويهددها ويصل به الحال أحيانا إلى ضربها  بغية تخويفها.

كما ان جهل جل المتحرش بهن بالقانون الذي يحميهن من التعدي عليهن وخوفهن من نظرة المجتمع تجاههن وإمكانية ارجاع اللوم عليهن، مع الإستخفاف بخطورة ما يقع لهن، يجعل حالات التتبع العدلي نادرة للغاية.

خطية مالية للمتحرش

حاول المشرع التونسي التصدي لهذه الظاهرة من خلال ما اصدره من قوانين رادعة لحماية كل من تتعرض لها. آخر هذه التشريعات كانت القانون الجديد لمناهضة العنف ضد المرأة الذي يعد مكسبا هاما وخطوة كبرى نحو تعزيز الآليات التشريعية لحماية حقوق المرأة.

حدّد الفصل 17 من القانون الأساسي الجديد الخاص بمناهضة العنف ضد المرأة المصادق عليه الأربعاء 26 يوليو/تموز 2017، الذي سيدخل حيز التنفيذ بعد 6 أشهر من نشره في الرائد الرسمي للبلاد، عقوبة هذه الجريمة بتسليط خطية مالية تتراوح بين 500 دينار وألف دينار على كل من يعمد إلى مضايقة امرأة في مكان عمومي، بفعل أو قول أو إشارة من شأنها أن تنال من كرامتها أو اعتبارها أو تخدش حياءها.

ويضاعف العقاب إذا كانت الضحية طفلا أو امرأة حاملا أو في حالة ضعف غير قادرة على الدفاع عن نفسها أو إذا كان الفاعل ذا سلطة عليها كأن يكون من العائلة أو طبيبها أو معلمها. وتجري آجال انقضاء الدعوى العمومية بخصوص جريمة التحرش الجنسي المرتكبة ضد طفل بداية من بلوغه سن الرشد.

ضمن باب الإجراءات والخدمات والمؤسسات، أكد مشروع القانون أيضا على أن يكلف وكيل الجمهورية مساعدا له أو أكثر بتلقي الشكاوى المتعلقة بالعنف ضد المرأة ومتابعة الأبحاث فيها إلى جانب تخصيص فضاءات مستقلة داخل المحاكم الابتدائية تضم القضاة المختصين بقضايا العنف ضد المرأة على مستوى النيابة العمومية والتحقيق وقضاء الأسرة مع إحداث وحدة مختصة بالبحث في جرائم العنف ضد المرأة، بكل منطقة أمن وطني وحرس وطني في كل الولايات ويجب أن تضمّ من بين عناصرها نساءا.

“ما تسكتش ماكش وحدك!”

ارتفاع ظاهرة التحرش بوسائل النقل العمومي يعود بالأساس  إلى الاكتظاظ، وتجاوز هذا الاشكال ينبغي أن يتم بالتوازي مع تعزيز اسطول النقل العمومي في الحافلات والقطارات للحد من الإزدحام الخانق، خاصة في خطوط معينة وفي أوقات الذروة، علاوة على العمل على تزويدها بوسائل جديدة وتجهيزها بكاميرات مراقبة لردع من تسول له نفسه التحرش بغيره وتوثيق حالات الاعتداءات عند وقوعها.

يشكل إطلاق التطبيق ضد التحرش الانطلاقة الحقيقية لتفعيل قانون مناهضة العنف المسلط على النساء، ولتجسيده على أرض الواقع من أجل تغيير العقليات والسلوكات السائدة إزاء المرأة، بما يضمن حمايتها من كل أشكال العنف المسلط ضدها.بداية مثل هذه الحملات الانطلاقة الحقيقية لتفعيل قانون مناهضة العنف المسلط على النساء. هذا التطبيق يخول للمرأة دق جرس الإنذار حال وقوع عمليات تحرش جنسي، ويتم تسييره بالتنسيق المباشر بين وزارتي الداخلية والعدل، ومع الخط الاخضر لوزارة المرأة، من أجل ضمان التدخل السريع.

كما أن التوعية بخطورة التحرش وضرورة التصدي له أخذت أشكالا مختلفة، كإقامة حملات في وسائل النقل العمومي والإكثار من الملصقات المناهضة للتحرش الجنسي في كل مكان.

 

 

هذا جهد محمود، لكن من الضروري أن تضاعف منظمات المجتمع المدني والسلطات الرسمي مساعي التوعية بخطورة ممارسة العنف بأشكاله المتعددة والتشجيع على كسر حاجز الصمت والتنديد بأفعال المعتدين، فضلا عن دفع مؤسسات الدولة إلى حماية المرأة في الفضاءات العامة.

 

يامنة القابسي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.