سياسةغير مصنف

المعتقلات في مصر: جرح لا يندمل

منذ يناير 2011، شهدت الشوارع المصريّة وُجودًا غير مسبوق للنساء، خاصة الشابات منهن، في الساحات والميادين، خرجن من بيوتهنّ وجامعاتهن وحتى مدارسهن، مدفوعات بأشواق الحرية والعدالة والانعتاق من الإستبداد والدكتاتورية، لكن سرعان ما عادت آلة القمع بشكل أكثر عنفًا وبشاعة،فانتهكت الحرمات ووصل الأمر إلى الاعتقال دون سبب، والقتل دون محاكمة.

إحصائيات

منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013، سعى الحقوقيّون، في مصر وخارجها، إلى توثيق الانتهاكات الّتي طالت السيّدات، من تحرّش واعتقال واختفاء قسري وقتل، إلّا أنّ ارتفاع حجم الانتهاكات أعجزهم عن حصرها بصفة كلّية، في أغلب الأحيان.

ووفقا الإحصائيّات الأخيرة الّتي تمّ نشرها عبر التنسيقيّة المصريّة للحقوق والحريّات في مصر ومنظمة هيومان رايتس ووتش، فإنّ الإنتهاكات الّتي مُورِسَت، وتُمارَسُ إلى اللحظة، ضدّ السيّدات في مصر، قد فاقت ما تعرّضن له خلال السنوات الّتي سبقت الثالث من يوليو 2013.

فقد بلغ عدد القتلى من النساء خلال الأربعة أعوام المنصرمة نحو 131 سيّدة وفتاة، سواء أولئك اللائي قُتِلن بطريقة مباشرة، في المظاهرات أو المسيرات الرافضة للانقلاب، أو اللائي اُغْتِلْنَ داخل منازلهنّ أو اُستُهْدِفنَ خلال فضّ الاعتصامات الّتي خلّفت عددا كبيرا من الفتيات القتيلات في يوم واحد (فضّ اعتصامي النهضة ورابعة)، ناهيك عن القتل المتعمّد الّذي حدث مؤخّرًا في سيناء، ولم يستطع الحقوقيّون رصد العدد الفعليّ للقتلى من السيّدات خلاله.

بينما بلغ عدد السيّدات اللّاتي تعرّضن لانتهاكات عامّة مثل “الاحتجاز التعسّفي أو الاعتداء أثناء زيارة معتقل وغيره” نحو 354 سيّدة وفتاة.

وتشير الإحصائيّة إلى أنّ عدد النساء اللّاتي تمّ تحويلهنّ إلى المحاكمات العسكريّة يبلغ 23 امرأة، حُكم على خمسة منهنّ بالإعدام. كما وصل عدد المحكوم عليهنّ حضوريًّا وغيابيًّا إلى 298 فتاة. وإضافة إلى كلّ هذه الأهوال، فقد تعرّضت 133 امرأة إلى الاختفاء القسريّ، ثمّ الظهور بعد مدّة تتعدّى الشهر، بينما لازال هناك نحو 11 مختفيات قسريًّا، ولا يُوجد معلومات بشأن أماكن احتجازهنَّ أو أسبابه.

بينما يبلغ عدد الفتيات رهن الاعتقال، حاليًّا، نحو 32 فتاة وسيّدة، ليصل إجمالي مجموع سنوات الأحكام الصادرة في حقّ السيّدات في مصر خلال السنوات الأربع الماضية، إلى حدود 1223 سنة و3 شهور..!

سامية شنن: الإعدام شنقا

تبلغ الحاجّة سامية شنن (أو ماما سامية، كما يُنادينها البنات في المعتقل) 56 عامًا من العمر، قضّت منهم 3 أعوام خلف القضبان، وحُكِمَ عليها بالإعدام شنقًا بعد اتّهامها بقتل 13 ضابط شرطة والشروع في قتل آخرين والانضمام إلى جماعة إرهابيّة وحيازة أسلحة ناريّة وبيضاء وذخائر ومولوتوف ومحاولة احتلال قسم شرطة وتخريب وحرق متعمّد للقسم وسرقة محتوياته..!

كل تلك التهم موجّهة لامرأة خمسينية الحاجّة سامية شنن.. وتعود الواقعة في أصلها إلى قيام أحد ضبّاط الداخليّة بهدم المحلّ الّذي كانت تبيع فيه الحاجّة سامية الفاكهة، أثناء اقتحام قوّات الشرطة لعدد من القرى في مدينة كرداسة المصريّة، ودفاعًا عن أكل عيشها، اشتبكت الحاجّة سامية مع الضابط وعلا صوتها بالصراخ، ممّا دعا أبناءها إلى التدخّل ومحاولة الدفاع عن أمّهم الّتي تتعرّض للظلم أمام عيونهم. فباغتتهم قوّات الداخليّة بإطلاق النار، وقتلت العشرات من الموجودين في الحال. ثمّ اقتحمت قوّة خاصّة من الداخليّة منزل الحاجة سامية، ليتمّ اعتقالها بحجّة الضغط على ابنيْها المطلوبيْن لتسليم نفسيْهما، وهو ما حدث فعلًا. لكنّهما فوجئا بعد تسليم نفسيهما، بضمّ اسم أمّهم الحاجّة سامية إلى القضيّة وترحيلها إلى سجن القناطر الخاصّ بالنساء، بعد التنقّل بين أقسام الشرطة ومقرّات أمن الدولة 9 أشهر كاملة، تعرّضت فيها إلى انتهاكات جسدية ومعنويّة، من تعذيبٍ وشتمٍ كي تعترف بالتهم الّتي نُسبت إليها. وهذا ما روته الحاجّة أثناء محاكمتها.

وتُعد سامية شنن أكبر المعتقلات سنًّا وأقدمهمنّ اعتقالًا، وأكثر من تعرّضت للانتهاكات منذ يوم اعتقالها حتّى اليوم، وفقًا لِمَا ترويه رفيقاتها في السجن اللّاتي خرجن بعد قضائهنَّ فترات طويلة.

من ناحية أخرى، رفض القاضي فتح تحقيق في وقائع تعذيبها، ليتمّ الحكم عليها في النهاية بالإعدام مع اثنيْن من أبنائها و180 آخرين من أهالي كرداسة. وهي تُعدّ بذلك السيّدة الأولى (والوحيدة حتّى الآن) الّتي يتمّ الحكم عليها بالإعدام حضوريًّا.

كليات القمة رهن الإعتقال

في الفجر، اقتحمت قوّات الأمن منزل الطالبة بكليّة الهندسة، إسراء خالد سعيد، واقتادوها إلى مديريّة أمن بني سويف. ومن ثَمَّ، وجّهوا إليها تُهَمَ حيازة سلاح وحرق مزرعة ضابط، وغيرها من التهم الّتي يعجز العقل عن استيعابها، عندما تتعلّق بفتاة بمفردها. وحُكِم عليها بالسجن 9 سنوات قيد التنفيذ ..!

تُعتبر إسراء أوّل معتقلة على ذمّة قضايا سياسيّة، يتمّ ترحيلها إلى سجن عمومي. وهي تمضي أيّامها هناك، تحت وطأة انتهاكات جسيمة، بدأت بوضعها في زنزانة شبيهة بالقبر،  ضيّقة، لا ضوء فيها، انتهاءا إلى اعتداء نزيلات القضايا الجنائيّة عليها، ممّا دفعها إلى الدخول في إضراب مفتوح عن الطعام بسبب سوء المعاملة.

من ناحية أخرى، رفضت السلطات المصريّة السماح لإسراء برؤية والدها المريض الّذي اُعتُقِلَ قبلها. وظلّ هذا الرفض حتّى تُوُفِّي   أبوها داخل السجن نتيجة للإهمال الطبّي المتعمّد. ممّا تسبّب لها في حالة انهيار مازالت تعاني منها إلى اليوم.

إختفاء الزوج واعتقال الزوجة

من منَّا لم يسمع باسم حنان بدر الدين، ولم يعلم بقصّتها؟ هي الطبيبة الشابّة الّتي اختفى زوجها، منذ أحداث المنصّة الّتي ذهب ضحيّتها حواليْ 200 شخص أثناء اعتصام رابعة في 2013، ولم تجده إلى حدود اليوم. كانت الدكتورة حنان تبحث عن زوجها، كــمنْ يبحث عن إبرة في كومة قشّ. فــبعد أن تأكّدت من أنّه نجا من القتل، أثناء الاعتداءات على المعتصمين في رابعة، بدأت رحلة بحثها عنه في سجون مصر. كانت تمنّي نفسها بأن تراه وتطمئنّ عليه فحسب، وأن تسمع صوته بعد أربعة أعوام من اختفاء أثره.

في إحدى محاولات البحث هذه، وتحديدًا في يوم 16 مايو 2017، تمّ إلقاء القبض عليها. ثمّ وُجّهت لها تهم إدخال ممنوعات خلال الزيارة، وتمّ الاحتفاظ بورقة تحتوي بعض التفاصيل الخاصّة بظروف اختفاء زوجها، إضافة إلى هاتفها النقّال.

ومنذ ذلك اليوم، ما تزال الدكتورة حنان قيد الاعتقال، فيما لم يتمّ العثور على زوجها بعد..!

لقد ذكرنا أمثلة قليلة، ليست إلّا قطرة من بحر ما تعرّضت له المرأة في مصر بعد الانقلاب، من انتهاكات حقوقيّة وجسديّة ونفسيّة.  لكن ونحن نكتب هذه السطور، ما تزال الانتهاكات ضدّ المرأة المصريّة مستمرّة وما يزال عدد المعتقلات في تزايد، فمقابل فتاة تخرج هناك اثنتان يتمّ القبض عليهنّ بطريقة تعسّفيّة، ليبقى ملفّ المعتقلات في مصر جرحا مفتوحًا، لا يندمل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.