مجتمعبيت وأسرة

آفة الادمان على الوجبات السريعة في العالم العربي

صور جذابة و روائح شهية تدغدغ الأنوف واعلانات تلفزيونية لأشهى الأكلات السريعة تجذب المستهلك العربي الذي يقف عاجزا أمام هذه الإغراءات دون وعي بالمضار الصحية والنفسية والمادية لاستهلاكها الدائم.

الوجبات السريعة، نمط غذائي غربي غزا البيوت العربية حتى بات ينخر المطبخ التقليدي و ينافس الأكلات المحلية، وغدا يهدد صحة الملايين الذين يقبلون عليها بشكل متزايد في المنطقة العربية ويستهلكونها بشكل يومي أحيانا، خاصة من فئتي الشباب، وحتى الأطفال الذين يحتاجون أكثر من غيرهم الى الطعام المتوازن المغذي والسليم واجسامهم في طور النمو.

ماهي الوجبة السريعة؟

يعرّف الخبراء الوجبة السريعة أنها الوجبة التي تحتوي على أطعمة سريعة التحضير مثل شطائر الشاورما والبرجر والفلافل والفطائر والبيتزا وقطع الدجاج المقلية، مع مشروب غازي أو كأس من العصير وشرائح البطاطس المقلية، تؤكل على عجل وتخلو أو تكاد من الفاكهة والسلطات.

عرف العالم العربي في السنوات الأخيرة، تحولات اجتماعية، تتمثل في ارتفاع سكان المدن وتزايد الطبقة العاملة و خروج المرأة إلى سوق الشغل وارتفاع معدل ساعات العمل، مما أدى إلى لجوء نسبة كبيرة من أفراد المجتمع إلى الوجبات السريعة و تزايد استهلاك السعرات الحرارية خلال السنوات العشر الماضية. وقد بلغ معدل الإستهلاك 3122 سعرات في اليوم، وهو ما يزيد بنحو 1000 سعرات عن الاستهلاك الموصى به من قبل منظمة الصحة العالمية، ويجعل المرء عرضة للعديد من المخاطر الصحية، حيث تشير دراسات حديثة إلى أن 99% من الوجبات السريعة لا تلتزم بالمعايير الغذائية السليمة.

الوجبات السريعة والسمنة

كشفت دراسات حديثة أن الإفراط في تناول الوجبات الجاهزة يؤدي إلى زيادة في الوزن، حيث بلغت معدلات السمنة بالخليج العربي ما بين 70 بالمائة و 79 بالمائة. مقارنة بنسبة 48 بالمائة في دول المغرب العربي. وذلك باحتوائها على كميّات كبيرة من الدّهون والسكريات والنشويات والاملاح التي تتراكم في الجسد عند تناولها، ممّا يؤدّي إلى زيادة هائلة في الوزن. فواحد من كل ثلاثة أطفال سعوديين يعاني من السمنة المفرطة.

تؤدي الوجبة السريعة وتناول غذاء ترتفع فيه مستويات الكوليسترول مثل اللحوم الحمراء والسمن والزبدة الى ارتفاع ضغط الدم والسكري حيث أشارت أرقام إلى تزايد نسبة المصابين بالكولسترول في عمر 25 سنة وأكثر وهو ما يفسر تنامي ظاهرة إقبال الشباب على المطاعم والوجبات الجاهزة. وتتراوح نسبة ارتفاع الكولسترول في مناطق الخليج العربي بين 54.2 بالمائة للإناث و 52.5 بالمائة للذكور.

تحتوي الوجبات السريعة ايضاً على نسب عالية من المواد الحافظة (preservatives) والأصبغة الكيماوية الضارة  التي يمكن أن تتسبب في الإصابة بالسرطان على المدى الطويل. فقد أظهرت دراسة قام بها باحثون في مركز أبحاث هاتشنسون أن الذين اعتمدوا في نظامهم الغذائي على الوجبات السريعة أسبوعياً كانوا أكثر عرضة لتطور سرطان البروستات لديهم بسبب زيت القلي الذي ينتج مسرطنات في الغذاء عند تسخينه.

كما كشفت دراسة سويدية حديثة أن الوجبات السريعة تساعد في زيادة مخاطر الإصابة بالزهايمر كما تؤثّر على الأطفال سلبا وتساهم في حدوث الربو نتيجة خلوّها من الخضروات والفيتامينات والألياف، فهذه الفيتامينات ضروريّة في انتظام المعدة والأمعاء و قدرتهما على تأدية وظائفهما.

الوجبات السريعة والتوترات النفسية

لا تقتصر مضار الاطعمة العالية الدهون والسكريات، الفقيرة في قيمتها الغذائية على الجسم فقط، بل تؤثر في المفرط في استهلاكها نفسيا ايضا. هذا ما يتجلى في انتشار ظاهرة الاكتئاب داخل المجتمع العربي في السنوات الأخيرة. فقد أشارت العديد من الدراسات العلمية إلى أن افتقار الوجبات السريعة لبعض العناصرالهامة، مثل فيتامينات (ب) وأحماض أوميجا، له تأثير كبير على كيمياء المخ عند الإنسان، ممّا يضعف قدرة الذهن على التركيز والاستيعاب.

نفس الدراسة كشفت أن الوجبات السّريعة تصيب الأفراد، وخصوصاً الأطفال، بأمراض نفسيّة كالإحباط، وان الإدمان عليها يسبب تصلبا لشرايين القلب و اضطرابا لمعدّل السكّر في الجسم، مما يفرز سلوكيّات عدوانية كسرعة الغضب والانفعال، ونزعة انطوائية وشعورا بالحزن والاكتئاب.

أضرار اجتماعية واقتصادية

الوجبات السريعة لا تهدد فقط الجانب الصحي والنفسي للانسان، وانما تمس الأسس الاجتماعية والاقتصادية للأسرة العربية. فاليوم، ساهم اكتساح ظاهرة المطاعم السريعة لعاداتنا الغذائية بشكل ملحوظ في تفكك روابط الأسرة نتيجة لعدم التئام شمل الأسرة حول مائدة الطعام بشكل يومي.

عديد الأسر أصبحت تخصص نفقات ماليّة وميزانية خاصة لتناول هذه الوجبات السريعة الأجنبية، كالبورغر والبيتزا والبطاطا والدجاج المقليين، ظنا منهم أنها ارقى من الأكلات الشعبية العربية التي توارثها أجدادنا، والتي يعتمد جزء كبير منها على البقوليات، كالحمص والفول في المشرق العربي، واللبلابي في تونس، وهي غنية بالبروتين والحديد المفيدين للجسم والعقل. وخلال عام 2012 وحده بلغ الإنفاق على الوجبات السريعة في منطقة الخليج 9,2 مليارات دولار.

في الكويت مثلا، تبلغ نسبة الإقبال على المطاعم 15 بالمائة، حتى بات الإنفاق السنوي في هذا القطاع يبلغ نحو 700 مليون دينار، علماً بأن البلاد تضم نحو 5 آلاف مطعم يرتادها نحو 615 ألفاً شخص بشكل يومي.

بطون محتلة!

أسماء اكلات غربية احتلت بطون سكان العالم العربي وتنافس الوجبات العربية التقليدية. تتصدر شركة” ساب واي الأمريكية”، ترتيب أهم محلات الوجبات السريعة حيث تمتلك حوالي 33794 مطعما في 91 دولة مختلفة. وتليها شركة “ماكدونالدز الأمريكية” كذلك الشهيرة بحوالي 33600 مطعم ثم مواطنتها شركة “يام باندس” بحوالي 33000 الف مطعم موزعة على 100 دولة في العالم تقريباً.

استطاعت هذه الشركات الاستهلاكية العالمية اكتساح السوق العربية وجذب المستهلك العربي الذي بات مدمنا على الوجبات السريعة التي توفرها باعتماد خدمات الطلبات والتوصيل للمنازل مما يشجع زيادة وسهولة حجم الاستهلاك، فنظام طلب الطعام عبر الهاتف أو عبر الإنترنت يكون مرتكزا على لعب دور الوسيط بين المطاعم والمستهلك، حيث يبلغ متوسط عدد طلبات الطعام من خلال موقع طلبات دوت كوم خليجيا 50 ألف طلب يوميا.

دعاوي مرفوعة ضد “ماكدونالدز وبيرغر كينغ”

تحركات دولية واسعة وحملات توعوية من أجل تحسيس المستهلك بمخاطر الإفراط في تناول الوجبة السريعة، دعمتها دعوة منظمة المستهلكين الدولية واتحاد السمنة في العالم إلى وضع قواعد أكثر صرامة على الوجبات السريعة و ضرورة وضع صور على أغلفة الأطعمة تظهر مدى الأضرار التي تسببها. فيما اقرت الادارة الاميركية للاغذية والادوية قوانين صارمة ترغم شبكات المطاعم والبيتزا في الولايات المتحدة على تحديد عدد السعرات الحرارية على قوائم الطعام الخاصة بها.

تشريعات جديدة وخطوات مهمة تبرز وعيا متنام بالمضار الصحية الناجمة عن التناول المكثف للوجبات السريعة والتي من شأنها ان يكون لها تبعات مهمة على صعيد الصحة العامة خصوصا في مكافحة البدانة.

في المقابل، صمت مميت يشهده عالم عربي بات مدمنا على الوجبات السريعة نتيجة جهله أو تجاهله لمخاطرها في ظل غياب الدور التوعوي للحكومات وافراط القنوات الإعلامية والمجلات في الاشهار والحملات الاعلانية لاجتذاب المستهلك العربي.

الوجبات السريعة، باكتساحها للوطن العربي و خاصة السوق الخليجية وادمان الملايين من العرب عليها أصبحت أكبر منافس للأكلات الشعبية التي يزخر بها المطبخ العربي الاصيل والتي يجتمع فيها غنى العناصر الغذائية بطيب المذاق وعمق الإنتماء للأرض وتراث الأجداد.

وفاء الحكيري -دلال الحاج صالح

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد