سياسة

قوارب الموت لا تستثني النساء والأطفال

مجتمع

في الوقت الذي تشهد فيه ليبيا وضعا أمنيا وسياسيا صعبا، تفاقمت ظاهرة الهجرة غير الشرعية خلال السنوات الأخيرة بشكل كبير وأصبحت تشكّل خطرا على بلد أصبح منطقة جذب للمهاجرين غير الشرعيين.

ساهمت هذه الظاهرة في انتشار شبكات الاتجار بالبشر في دول إفريقيا وجنوب الصحراء أو ما سمّي إعلاميا بأسواق “بيع العبيد” وفي زيادة عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين يمرّون عبر ليبيا، نقطة انطلاق القوارب نحو أوروبا.

هذه الآفة لم تستثن النساء والأطفال، الذين قضى العشرات منهم غرقا في جوف بحر طالما حلموا باجتياز أمواجه العاتية للوصول الى الضفة الاخرى من المتوسط حيث حياة أفضل واكرم.  فالمهربون لا يتوانون عن حشر المئات من المهاجرين داخل زوارق هشة تفتقر الى ابسط مقومات السلامة، ولا تملك مقاومة سوء الأحوال الجوية، طمعا في مضاعفة أرباحهم، غير عابيين بازهاق ارواح من دفعوا لهم كل ما يملكون واستامنوهم على أنفسهم.

وحسب المنظمة الدولية للهجرة لا تزال ليبيا المقصد الرئيسي لأكثر من نصف المهاجرين الوافدين إليها، في حين تعتبر إيطاليا وألمانيا وفرنسا وجهات بارزة أخرى وهدف 17 و7 و5 في المائة منهم على التوالي.

وكان خفر السواحل الإيطالي والإسباني قد أعلنا بداية شهر جويلية إنقاذ أكثر من ثمانية آلاف مهاجر خلال 48 ساعة قبالة ليبيا في المتوسط، وهو رقم قياسي جديد حطَّم سابقيه في عمليات الإنقاذ والانتشال لمهاجرين في عرض البحر خلال عمليات هجرة غير شرعية.

وأكدت المفوّضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة ان نسبة النساء والأطفال من بين الواصلين عبر البحر قد بلغت حالياً حوالي 60 في المئة، مقارنةً بأقل من 30 في المئة في يونيو 2015، وهي نسبة لم تسجل منذ بداية أزمة اللاجئين في أوروبا.

نحو الحد من الهجرة

في إطار جهود تسعى إلى الحد من تهريب المهاجرين، اتفق وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في آخر اجتماع لهم على فرض قيود على تصدير الزوارق المطاطية والمحركات التي تشغلها إلى ليبيا.

وقال الاتحاد الأوروبي إن هذه القيود لا تشمل الشركات القانونية التي تستخدم تلك القوارب في مجالات مثل صيد الأسماك، بل تطبق القيود على تصدير الزوارق والمحركات حين يشتبه في إمكانية وصولها إلى مهربي البشر.

بطلب من السلطات الإيطالية، بدأ الاتحاد الأوروبي في تدريب خفر السواحل الليبي للحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية، ومن المقرر أن ينضم إلى الدورة المقبلة للبرنامج 225 فردا من خفر السواحل الليبي في إيطاليا و36 آخرين في إسبانيا.

ميدانيا في ليبيا، أكّد مدير المكتب الإعلامي لجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية بطرابلس فراس الحماداني في تصريح خاص ل”ميم” أن جهازهم يعمل على توثيق حوادث الغرق وإيصالها الى المجتمع الدولي، من اجل التوعية بنتائجها الكارثية وإيصال الصورة الحقيقية لما يقع في عرض البحر وفي الصحراء.  ويلقى هذا الجهاز دعما من الحكومة الليبية ومن منظمات دولية على غرار الأمم المتحدة.

هذا الجهاز حسب مدير المكتب الإعلامي يصور ويوثق الهجرة غير الشرعية برا وبحرا في ليبيا التي تشهد كل عام وصول الاف

المهاجرين غير الشرعيين، أغلبهم من النساء والأطفال.

في سياق متصل، يرى مراقبون للشأن الليبي أن دور قوات خفر السواحل لم يعد فعّالا جراء الحرب الأهلية التي تعاني منها البلاد عقب الإطاحة بنظام القذافي، خاصة وأن إيطاليا تستقبل شهريا عبر ليبيا أكثر من عشرة آلاف مهاجر عبر المتوسط.

 

وحول دور الهلال الأحمر في الحد من الظاهرة، أكدت مديرة مكتب الإعلام بالهلال الأحمر الليبي فرع طبرق فاطمة العبيدي في تصريح ل”ميم” أن عملهم مع مراكز الإيواء إنساني بالأساس، يتمثل في التواصل مع عائلات المحتجزين لتسهيل ترحيلهم من مراكز الحجز، مشيرة الى أن الكثير منهم يبقى عالقا لأن الحكومة ترفض تسهيل عودتهم الى بلدانهم.

كما اشارت العبيدي الى ان الهلال الأحمر الليبي يعمل على مساعدة السلطات المعنية على دفن الجثث والتي يتزايد عددها خلال فصل الصيف أين تكثر رحلات الموت الى السواحل الأوروبية.

أوضاع احتجاز لاإنسانية:

انتقدت المنظمات الإنسانية الدولية أوضاع مراكز احتجاز المهاجرين الأفارقة في ليبيا البالغ عددهم قرابة الثلاثين أين يعتقل عشرات الآلاف وتعمل المنظمات الدولية في نحو 20 مركزا.

في إطار عمله الإنساني، يمول الاتحاد الأوروبي برامج تتولى تنفيذها الهيئات الدولية من أجل تحسين أوضاع احتجاز المهاجرين. ومكنت الشراكة القائمة بين المفوضية الأوروبية والمنظمة الدولية للهجرة من إعادة توطين أكثر من 5000 مهاجر أفريقي عادوا طوعاً من ليبيا إلى بلدانهم الأصلية.

وقد تحدثت تقارير إخبارية عن وجود معسكرات تابعة لقادة الميليشيات وأمراء الحرب منتشرة على السواحل الليبية، لا تخضع لأي سلطة قانونية، ولا يُسمح للمنظمات الدولية بمعاينتها ولا رصد التجاوزات التي تُمارس بداخلها والتي تصل الى الاعتداءات الجنسية والاغتصاب، خاصة ان اغلب النساء اللاتي ينتهي بهن المطاف هناك وحيدات، بعد فقدانهم أزواجهم في الحروب والازمات، او غرقا خلال رحلة العبور للضفة الاخرى.

جدير بالذكر هنا ان الإتجار بغرض الاستغلال الجنسي قد طال النساء النيجيريات والكاميرونيات بشكل خاص وشهد تزايدا كبيرا للحالات المسجّلة، مع ارتفاع لعدد الأطفال غير المصحوبين والمفصولين عن ذويهم الذين يسافرون بمفردهم. ويمثل هؤلاء حاليا نحو 14% من مجموع الوافدين إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط، وينحدر جل هؤلاء القاصرين من إريتريا وغامبيا ونيجيريا.

ما يمكن أن نخلص إليه هنا هو أن إنهاء حالة الفوضى في ليبيا ضروري للتمكن من إنهاء أزمة المهاجرين.

فالحديث عن مقاومة آفة معقدة ومستفحلة كالهجرة غير الشرعية لا يجدي في بلد تغيب فيها مقومات الدولة، من مؤسسات ومجتمع مدني بدونهما لا يمكن التصدي لغول الإتجار بالبشر ووضع حد لغيه وجشعه واستهتاره بالأرواح البشرية.

يامنة القابسي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد