ثقافة

“عجوز النحس”: من هي؟

صورة العجوز في المخيال الشعبي العربي

شعر اشعث  وعينان ماكرتان، ضحكة مداهنة  وخبث اسطوري، واسم مرتبط بالدهاء والشر، تُعرف في تونس بـ”عزوزة الستوت” و في العالم العربي بـ”عجوز النحس” أما في الغرب فهي الساحرة الشريرة صاحبة المكنسة الطائرة والقبّعة العجيبة.

هي البطلة المُرعبة لحكايات الطفولةِ تتفنّن الامهات و الجدات في سرد وقائعها لتخويف الاحفاد والأبناء. لكن من تُراها تكون هذه العجوز التي تربّى على خشيتها ملايين الأطفال، ولم ارتبط الشر باسمها ارتباطا وثيقا؟ وأيّ رمزية لهذه العجوز في الموروث الشعبي، لا سيّما وأنّه كثيرًا ما يعكس الوعي الجماعي للمجتمعات؟

ما من شكّ في أنّ الحضور اللافت لهذه المرأة في القصص و الخرافات له أسبابه الوجيهة،  فهي ذات مكانة مميّزة في ثقافات مُختلفة اتفقت على اعتمادها عنصرَ تشويق وإثارة، إذ أن تطور الاحداث في الحكايات والتصاعد الدرامي مرتبطان بظهورها .

في تونس لنا قول معروف عن “عزوزة الستوت” ألا وهو “عزوزة الستوت الله لا يرحمها نهار إلى تموت” فهي في المُتخيَّل الجماعي  عجوز شمطاء بشعة ذات تجاعيد كثيرة ، تمكن الشر منها كل التمكن، مثيرة للمتاعب و المشاكل و الفتن، تنافس الشيطان نفسه في اعمال الشر و قد تتغلب عليه.

هذا ما يحلينا على أصل تسمية هذه العجوز بـ”عزوزة الستوت” الموجودة بدول المغرب العربي.  فبالنسبة إلى البعض هذه التسمية جمع لكلمة “ست” اي المرأة في اللغة العامية المصرية،  ولكن يرى البعض عكس هذا،  لان المصريين لا ينعتون هذه العجوز بهذه العبارة  و نظرا لأن الخرافات حول عزوزة ستوت في تونس قديمة جدا و ارتبطت بتداخل المجتمع البربري قديما مع بعض الديانات، كالمسيحية و اليهودية التي اعتبرت رقم 666 سيّئا  يُرمز به للشيطان،  وأن كلمة ستوت هي جمع ستة، أي أن  هذه العجوز هي رمز الشيطان.

يقول التونسيون أيضا “عزوز الستوت دخلت من باب المدينة قالت ما أضيقك يا ملك الله عليّ، دخلت من عين الإبرة المثنية،  قالت ما أوسعك يا ملك الله عليّ”. وفي وصفها: “عمياء و طرازة الكتان، طرشاء و تجيب الخبر منين صار وكان، جرادة زعافة الحيطان، من قوة بركتها نقز الحوت من البحر جاء في قبضتها”.

فهي العجوز الداهية التي نجدها في القصص دائما، المفرقة بين الأزواج السعداء، مستعملة في ذلك ذكاءها الذي لا مثيل له، تتحدى به الشيطان وتتراهن معه في قدرتها على القيام بهذه الأعمال. هي في المنظور الشعبي باختصار كارثة حقيقية، متلونة كالحرباء و مهددة للجميع.

هنا لا يسعنا إلا التوقف على أبعاد هذه الصورة الرمزية  لهذه المرأة علّنا نفهم الخبايا النفسية و الاجتماعية للمجمتع التونسي قديما، الذي لا يختلف كثيرا عن المجتمعات العربية و الأوربية في تصويره لهذا النموذج من المرأة و نحته لسماتها الشخصية . فهذه الشخصية إمرأة أولا وقبل كل شيء، و قد ارتبطت أساطير الخطيئة  وحادثة التفاحة بخضوع حوّاء للشيطان وهذا ما جعل الانسان ينزل إلى الأرض ويعيش الشقاء.

هذا في الحقيقة تصور شعبي شائع لارتباط المرأة دائما بالشيطان، حتى أنّنا نجد بعض الأقوال العربية التي تقارن بينهما مثل “ما لا يقدر عليه الشيطان تقدر عليه المرأة” و”المرأة زريعة ابليس” الخ..  وهنا تبدو المقارنة وجيهة في ربط هذه الساحرة بالشيطان.

ومن السمات الأخرى ل”عزوز ستوت ” أنها عجوز، و لسائل أن يسأل: لم لا تكون ساحرة شابة أو كهلة؟  ويمكن أن نعزو ذلك إلى أن التقدم في العمر ينهي خصوبة المرأة، و أن المرأة أساسا خصوبة. فإذا ما انتهت هذه المرحلة من حياتها، تراجع معها العطف و تحول إلى قسوة، و قد يفسر هذا نظرة بعض المجمتعات، وليس العربية فقط بل القديمة خصوصا، في تحويل المرأة غير الخصبة إلى مرأة شريرة غير مرغوب فيها تضمر الشر للناس و خاصة النساء و تحاول الانتقام منهم.

الدول العربية لا تختلف كثيرا عن تونس في وصفها “لعزوز الستوت، “فهي تسميها “عجوز النحس” و يصفها العرب فيقولون “لا يوجد أنحس منها، ذات خد مشلوط و حاجب ملقوط، وأسنان مكسورة، ووجه أنمش ولحظ أعمش، ورأس أغبر و شعر أشهب وجسم أجرب ولون حائل ومخاط سائل وقد مائل”.

وهي كما وصفها الشاعر”عجوز النحس، إبليس يراها تعلمه الخديعة من سكوت تقود من السياسة ألف بغل إذ نفروا بخيط العنكبوت”.

وهي مع هرمها، دميمة بشعة المرأى، وهنا يتجسد الاعتقاد الاواعي بأن كل ماهو قبيح شرير بالضرورة.

دور الخرافة في التنشئة الاجتماعية للطفل 

لا نستطيع أن نتجاهل دور الخرافة و الحكاية لا فقط في صياغة الوعي الجماعي للافراد و إنما أيضا في تشكيل وعي الاطفال عندما نروي لهم هذه القصص، فهذه تؤثر تأثيرا عميقا في تنشئتهم الاجتماعية و في تبينهم للافكار المسربة في هذه القصص.  فالكثير من الاطفال الصغار جراء هذه الحكايا حول “عزوز الستوت” أصبحوا يتهيبون من العجائز، ترتعد فرائصهم لرؤيتهن، يتملصون منهن في أي لقاء اجتماعي خوفا منهن. ترتبط في أذهانهم صورة العجوز ب”عزوزة الستوت”، فنحن لا نجد مقابلا متكافئا خيّرا طيبا في المخيال الشعبي حول العجائز   لعزوزة الستوت إلا نادرا في القصص التونسية أو العربية.

هكذا ترتبط صورة المرأة كثيرا بالشر والدهاء في المخيال العربي الشعبي، حتى ان الشيطان يخاطبها في أحد أساطير الشيخ الجهيمان قائلاً: «إما أن تتركي لي البلد وإما أن أتركها لكِ»، ويتفقان بينهما ان يختلق احدهما مشاكل وفتنا ويحلها الآخر، والذي يستطيع حلها هو الذي يبقى في المدينة، وفي النهاية تتغلب العجوز على الشيطان فيرحل من المدينة مذموماً مدحوراً!

الساحرة

في أوروبا، تجاوز الامر حدّ الخرافة و التخويف من هذه المرأة، ليصل إلى هستيريا جماعية أدت إلى قتل  مائة ألف امرأة أو أكثر وفقا للتقديرات.

فهذه المرأة المعروفة أيضا بدمامتها و شرها  و تعاملها مع الشيطان شكلت هاجسا كبيرا للاروبيين وأدى الى اتهام العديد من النساء بأنهن ساحرات. و قد أقيمت محكمة في هذا الغرض لمحاكمة كل إمرأة تبدو غريبة الأطوار أو خارجة عن العرف و التقاليد، و أكثر فئة من النساء وقع الاشتباه بهن كانت من الأرامل والعجائز.

مطاردة الساحرات في أوروبا جنون حقيقي

إذن لا يخفى عن الناظرين  هذا الاجماع على اقتران الشر و الدهاء  بهذه المرأة في أغلب المجتمعات، في حين لا يقابل هذا النموذج نموذج ذكوري.

فبالرغم من أننا نجد مقابلا  للغول والوحش في شخصية “الغولة”، كالحكاية المعروفة في تونس ب”غولة القايلة” و غولة “سبع صبايا في قصباية”،  لا نجد مقابلا لهذه العجوز الشمطاء، كما لو أنها تتربع على عرش الشر لا ينافسها عليه أحد.

فهل يمكن أن يعكس هذا نظرة معينة للمرأة في المخيال الشعبي العربي والغربي أم أن الأمر هو محض تخريف و خيال قصصي فحسب؟

رحاب الخترشي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد