الرئيسيثقافة

قضايا المرأة: أين الدراما العربيّة من أفلام فاتن حمامة؟

تمكّنت أفلام الأبيض والأسود من الرسوخ في ذاكرة المشاهد العربي، رغم ميزانيّات إنتاجها المحدودة مقارنة بما تُنفقه شركات الإنتاج على أفلام هذه الأيّام. فمن منّا لا يذكر فيلم “دعاء الكروان” أو ” أُريد حلًّا” للراحلة فاتن حمامة؟ لقد بقيت هذه الأعمال خالدة لعدّة أسباب، لعلّ أهمّها عمق الطرح والجرأة في تناول قضايا المرأة في ستّينيّات القرن الماضي. ورغم أنّ هذه القضايا مازالت مطروحة في الدراما العربيّة إلى حدّ الآن، فإنّها لم تعد تتّسم بالعمق والجدّية الّذي عرفته الأفلام الملتزمة في القرن العشرين.

تُصرف ملايين الدولارات، اليوم، لإنتاج فيلم أو مسلسل يتحرّك في الهامش السلبي ومجال الصورة النمطيّة للمرأة. وهذا ما تعكسه الطفرة الحاليّة للأعمال السينمائيّة والتلفزيّة الّتي تُعدّ بالمئات سنويًّا، لكنّها تُنسى بمجرّد نهاية بثّها، بعد أن كان التركيز منصبًّا على معياريْ الجودة والجديّة، في بداية الدراما العربيّة عمومًا، والمصريّة على وجه التحديد.

ولا يمكننا أن نتحدّث عن هذه الفترة من الزمن الجميل، دون أن نذكر الفنّانة الراحلة فاتن حمامة، أو سيّدة الشاشة العربيّة كما سُمِّيَتْ. وهي فنّانة طرحت في أعمالها العديد من قضايا المرأة المسكوت عنها، لعلّ أبرزها قضايا جرائم الشرف والاستغلال الجنسي لخادمات البيوت، في فيلم دعاء الكروان.

وقد تمّ اختياره كأفضل عمل سينمائي، تقمّصت فيه فاتن حمامة شخصيّة الفتاة الريفيّة الّتي تتمرّد على العادات والتقاليد في صعيد مصر، وتحاول الإنتقام لأختها الّتي اعتدى عليها مُشغّلها، فقد كانت أختها “هنادي” خادمة في منزل أحد الأغنياء الّذي يستغلّها جنسيّا. ثمّ تتعرّض للقتل من قبل خالها، لردّ شرف العائلة حسب سيناريو الفيلم. ولم تكن “هنادي” سوى واحدة من العديد من الخادمات اللّواتي يقع استغلالهنّ. أُنتج هذا الفيلم في 1959، واقتبس عن رواية تحمل نفس الإسم، كتبها الأديب طه حسين سنة 1934 عن قصّة حقيقيّة، جسّدت الجهل والفقر الّذي تُعانيه النساء في الريف المصري ممّا يسهّل استغلالهنّ.

كما تقمّصت فاتن حمامة دورَ الإبنة أمام الموسيقار محمد عبد الوهاب في فيلم “يوم سعيد” (1940) وصحبة الممثّل القدير يوسف وهبي في فيلم “ملاك الرحمة” (1946)، كما جسّدت شخصيّة ابنة الباشا الّتي تساعد الفقراء والمهمّشين في “صراع الوادي” مع الممثّل عمر الشريف الّذي أسلم وتزوّجها مباشرة بعد هذا الفيلم.

كما مثّلت دور الطالبة في كلّية الحقوق المتحدّرة من عائلة متوسّطة في فيلم “الأستاذة فاطمة”، الّذي طرحت من خلاله مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في المجتمع.

وفي فيلم “إمبراطوريّة ميم” (1972)، مثّلت دور الأمّ الّتي كانت مسؤولة عن عائلتها في ظلّ غياب الأب.

أمّا فيلم “أريد حلًّا” (1975)، فقد تضمّن نقدًا لقوانين الزواج والطلاق، وتقمّصت فيه سيّدة الشاشة دور المرأة المعاصرة الّتي تُطالِب أنْ يعاملها القانون على قدم المساواة مع الرجل. هذا إضافة إلى أنّه ركّز على عدم قدرة المرأة على الطلاق. كان الفيلم سببًا في تغيير قوانين الأحوال الشخصيّة في مصر، مثل إصدار قانون يمنع تنفيذ حكم الطاعة بالقوّة ويمنع قانون الخلع.

وفي فيلم “يوم حلو، يوم مرّ” (1988)، لعبت دور أرملة، في عصر الانفتاح والمبادئ المتقلّبة، أرملة تحمل أعباءا ثقيلة جدًّا دون أن تشكو، وهي تحافظ على أمل في داخلها بالوصول إلى يوم حلو لتمسح ذكرى اليوم المرّ.

الصورة السلبيّة للمرأة

نشر المجلس القومي للمرأة في مصر في جوان 2016 تقريرًا عن صورة المرأة في الدراما الرمضانيّة، في 30 مسلسلًا. وقد جاء فيه انتقادات حادّة لهذه الأعمال لأنّها قدّمت صورة سلبيّة للمرأة، حيث ظهرت بصفة مكثّفة في أدوار الراقصة، فتاة الليل، الزوجة الخائنة، المطلّقة الّتي تخطف الزوج من زوجته، المرأة العاملة غير الناجحة في حياتها الأسريّة، الأمّ الّتي لا تربّي أبناءها بطريقة سليم. كما كثرت مشاهد العري والإثارة واستخدام الشتائم والألفاظ النابية الّتي تهين المرأة، إذ لُوحِظ كثرة سبّ الأمّ.

وفي أحيان كثيرة، يُسلّط  الضوء على قضايا الفتاة العربيّة، بأسلوب مضحك وبتهكّم في بعض الحالات على غرار مسلسل “عايزة اتجوّز” لهند صبري، أو “يوميّات زوجة مفروسة” لداليا البحيري. وربّما يكون هذا الأسلوب اختيارًا لتبسيط الموضوع و جلب نسبة مشاهدة أكبر، دون الخوض في هذه القضايا للبحث في أسبابها وإيجاد حلول لها.

في الدراما الخليجيّة أيضًا، تقتصر صورة المرأة على الزوجة الّتي يخونها زوجها أو المُترفة في حالة من استعراض البذخ المبالغ فيه، حيث تقضي يومها بين مشاهدة التلفاز في المنزل أو في صالون الحلاقة والمحلّات التجاريّة. ولذلك قد وُجّهت انتقادات واسعة لهذه الأعمال الدراميّة خاصّة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ولعلّ من أهمّ المسلسلات التلفزيّة الّتي تواصلت لسنوات في الدراما الخليجيّة، هي سلسلة “طاش ما طاش” و “سيلفي” اللّذين يمثّلان منجم ذهب للقائمين عليه، فقد بلغت قيمة الإعلانات الإشهاريّة في الحلقة الواحدة 450 ألف دولار، فيما قُدِّرت عائدات المسلسل في 5 سنوات بـ 60 مليون ريال، لكنّه لم يطرح قضايا المرأة السعوديّة أو الخليجيّة إلّا في حالات قليلة، تناولت مشاكل اجتماعيّة عاديّة كالطلاق والخيانة الزوجيّة وصراعات سطحية بين المرأة والرجل حول مصاريف البيت.

ولم تُطرح القضايا الكبرى على غرار حقوق المرأة سواء في السفر أو الزواج أوقيادة السيارة وغيرها، خشية إثارة المشاكل مع النظام وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهو ما جعل العمل الدرامي يقتصر على إضحاك المشاهد فحسب.

مقابل هذا الطرح السطحي لقضايا المرأة العربيّة في الأعمال السينمائيّة والدراميّة، خاصّة في السنوات الأخيرة، يحاول بعض المخرجين والممثّلين تغيير هذه الصورة. ومن ذلك مبادرة مهرجان “أسوان لأفلام المرأة” الّذي انطلق في دورته الأولى بمدينة أسوان المصريّة، في فيفري 2017. فإلى جانب عرض الأفلام من مختلف دول العالم، تضمّن المهرجان حلقات نقاش حول قضايا العنف ضدّ المرأة بمشاركة الفنّانات ومنظمّات المجتمع المدني والهيئات الحكوميّة والدوليّة. وهو ما يهدف إلى أن تكون السينما انطلاقة لمبادرات إقليميّة وعالميّة للمطالبة بحقوق المرأة ومعالجة قضاياها، وعدم الاقتصار على عرض الأفلام لتحقيق الإيرادات الماليّة.

دواجة العوادني – مروى وشير

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “قضايا المرأة: أين الدراما العربيّة من أفلام فاتن حمامة؟”

اترك رد