ثقافة

فن الدباغة في “دار شوارة” بفاس

 إنْ فكرّتَ في زيارة المملكة المغربيّة، مدينة فاس العتيقة تحديدًا، فلا تُفوّتْ على  نفسك زيارة  بعض المعالم التاريخيّة العريقة الّتي تشتهر بها هذه المدينة. مازالت بعض المعالم القديمة، مثل “دار الذهب” و”العرسة” و”الكبيرة” و”الدورية” و”دار شوارة”، محافظة على رونقها ومازالت الحياة تدبّ بين جدرانها. وما هذه المعالم إلّا أماكن دباغة الجلد، فقد حافظ أهالي فاس على هذه الحرفة بحذافيرها ونفس الأساليب والطرق القديمة الّتي تمتدّ جذورها إلى ستّة قرون خَلَتْ.

وقد بُنيتْ دُورِ الدباغة هذه في العصور الوسطى، وكانت تُسمّى “دُور الذهب” لِمَا كانت تدرّه من أرباح وفيرة. وهي متلاصقة التصاقًا شديدًا، كما أنّها تضمُّ 700 صانعٍ، تقريبًا، موزّعين على 400 محلٍّ لصنع المنتجات الجلديّة.

وعلى غرار باقي المدن المغربيّة، اشتهرت  فاس بكثرة دُورِ الدبغ فيها (بلغ عددها أواسط العصر العلوي حواليْ 19 دارًا)، ولعلّ أشهرها “دار شوارة” الّتي يقصدها الزوار من داخل الوطن وخارجه كأقدم مَعلم ينبض بالحياة والأصالة وتتمازج فيه الألوان حتّى تظنّ نفسك وسط مهرجان من الألوان الّتي تحاكي الطبيعة.

“دار شوارة”: معلم تاريخيّ وكنز عربيّ

يوجد عدد هائل من العمّال الّذين تُخوّل لهم بنيتهم الجسديّة ممارسة هذه المهنة الصعبة، فهُمْ لا يكلُّون ولا يكترثون لرائحة الجلود القويّة في المدبغة. كما أنّهم خبيرون في استعمال المواد الطبيعيّة فحسب، كالزعفران وقشر البلّوط والرمّان والجير الأبيض وزقّ الحمام والنعناع وغيرها من الأعشاب الملوّنة والملوّنات الطبيعيّة، للحصول على أجود أنواع الجلد.

يمرّ دبغ جلد البقر والماعز والغنم والجمل، داخل “دار شوارة”، بجملة من المراحل الأساسيّة والهامّة الّتي تستغرق أيّامًا، أو شهورًا في بعض الأحيان. فبعد أن ترقد الجلود ليومين أو ثلاثة في الماء والملح، تُطلى بمادّة الجير وتُترك لتجفّ تحت أشعّة الشمس لمدّة 3 أيّام على الأقلّ، فهذه المرحلة ستسهّل عمليّة فصل الصوف عن الجلد. ومن ثَمَّ يُوضع هذا الأخير في حوض مليء بزقّ الحمام والجير والماء طيلة شهر تقريبا، لتُرفع في المرحلة الأخيرة هذه الجلود وتُنظّف ثمّ تُنقع في الأحواض المخصّصة للدبغ والصباغة بالألوان الطبيعيّة.

وتكمن الحكمة من استعمال زقّ الحمام (هذا الطائر الّذي يُوجد بأعداد كبيرة داخل المدبغة) في أنّه يحتوي على أسيد طبيعيٍّ يُستعمل باليد ولا يضرّ البشرة، إضافة إلى أنّ الروائح الكريهة لزقّ الحمام طبيعيّة ولا تفرز آثارًا جانبيّةً على الصحّة وفق ما يؤكّده عاملي مدبغة “دار شوارة”.

وأنت تتجوّل بين أحواض الدبغ مأخوذًا بالألوان الطبيعيّة الّتي تسبح فيها، سيطربك العمّال بأغانٍ وتهاليلَ يستعينون بها على إمتاع نفوسهم كي لا يشعروا بساعات العمل الشاقّ. كما  يشدّ انتباهك ما شُيِّد من دكاكين تقليديّة على الأسطح، تجمّلت بكلّ المنتجات الجلديّة من حقائب وسترات وأحذية و”بلاغي”، بعدما كانت قديمًا عبارة عن فنادق ومساكن.

ورغم الروائح الكريهة الّتي تعترضك نتيجة عمليّة صنع الجلد، الّتي اعتاد عليها عمّال وأصحاب المحلّات هناك، إلّا أنّ جمال المدبغة وتصميمها التقليدي العريق وألوان الحياة المتمازجة وهي تُشكّل قطعًا فنّية مختلفة تتلألأ خلف واجهات المحلّات التجارية، يُغري كلًّا من الزائر العربيِّ والغربيِّ بسماته الأصيلة ومدلولاته التاريخيّة. وهذا ما يبرز مدى  تشبّث الفاسيّين بعمليّة دبغ الجلد التقليديّة من خلال عدم تأثّرهم بتعدّد المصانع الحديثة المتخصّصة في صناعته وبالتطوّر الّذي عرفته المدينة.

إنّ كِلَي الدّاريْن: “دار الذهب” أو “دار شوارة” يمثّلان كنزًا مغربيًّا عربيًّا، ومعلمًا ينبض وسط  مدينة  فاس المغربيّة، المدينة الّتي تشبّثتْ بدباغة الجلد كمهنة حافظت بها على تميّزها عن غيرها من المدن المغربيّة والعربيّة، ممّا جعلها قِبلة تسويق الموروث المغربي والعربي الأصيل وواجهته.

دلال حاج صالح

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد