الرئيسيدين وحياة

بين الاقصاء والتغييب: المسلمات والمساجد

جاء الإسلام ليساوي بين المرأة والرجل في عبادة الله عز وجلّ، وجعل العبادة واجبة على بني آدم نسائهم ورجالهم فقال “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” (سورة الجن)

والصلاة وهي روح الدين وعماده، واجبة على المرأة والرجل على حد سواء، فرضها الله “كتابا موقوتا” على المؤمنين جميعا. غير أن المرأة المسلمة تواجه صعوبات عديدة في أداء الفريضة في أماكن العبادة التي أجاز لها المولى ارتيادها، لضيق الفضاء المخصص أو انعدامه في أحيان كثيرة، وغياب أماكن الوضوء أو جعلها في مواقع مكشوفة كصحن الجامع،  ناهيك عن التمييز في التكييف وتوفير المصاحف والسجادات.

 حواجز مزعجة

يعد الفصل بين النساء والرجال في المساجد أمرا حديثا، لم يكن معمولا به زمن النبوة. ويتخذ هذا الفصل أشكالا عديدة، منها تخصيص طابق أعلى للسيدات أو حجرة منفصلة لهن أو بناء حائط يفصلهن عن الرجال، مما يؤثر بشكل واضح على تفاعل المرأة المسلمة مع خطبة الإمام وصلاة الجماعة، ويعزلها عن الأجواء الروحانية التي ذهبت من أجلها إلى المسجد.

وقد انتشرت ظاهرة الفصل في كثير من المساجد في العالم العربي، فلم تعد كما كانت عليه في العهود الأولى للإسلام، حيث كانت النساء يصطففن خلف الرجال للصلاة، دون فاصل مادي بينهما.

وتختلف الآراء حول مسألة الفصل بين من يقبله بمنطق حماية المرأة والحفاظ على خصوصيتها في المسجد ودرء الفتنة بين النساء والرجال، ومن يرفضه لأنه يعزل المرأة ويحرمها من الشعور بأجواء المسجد الروحانية والتفاعل مع صلاة الجماعة بمعناها الشامل.

 مكان صغير أو غياب تام للمصلى 

تعتبر المساجد بيوت الله في الأرض، والعناية بها جزء من إقامة الدين، يؤمها المؤمنون ،اناثا وذكورا، لمناجاة المولى. لكن بات غياب الاهتمام بمصليات النساء ظاهرة متفشية في عدة دول نتيجة النظرة الدونية للمرأة.

وكثيرا ما تعترض المرأة في الجامع مشكلة غياب مصلى خاص بها في المناطق الداخلية، وحتى إذا توفر كان في غالب الأحيان ضيقا لا يسمح باستيعاب الأعداد المتزايدة للنساء المقبلات على الصلاة والحريصات على أداء الفرائض في مواقيتها وحضور صلاة التراويح في رمضان والاحتفالات بالمولد النبوي الشريف، حيث تكتظ المساحات المحدودة المخصصة للنساء حتى تغدو خانقة لا تكاد تطاق.

 التمييز في الميضة والتكييف

من مظاهر التمييز بين المرأة والرجل في أماكن العبادة، اقتصار الميضة على عنصر الرجال. فالمسلمة محرومة من أداء فرائضها على أكمل وجه (بداية بفريضة الوضوء)، رغم أن الإسلام لم يمنعها من ذلك. وقد أوجب الإسلامُ الطهارةَ الظاهرة للدخول في الصلاة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا” [المائدة: 6].

كذلك دورات المياه في كثير من مصليات النساء لا تعكس ما يجب أن تكون عليه بيوت الله، بسبب الإهمال حيث تنتشر فيها الحشرات، فضلا عن امتلاء أرضيتها بالماء.

كما تواجه المرأة المسلمة مشكلة التكييف الهوائي الذي يغيب أو يفقد فعاليته عندما تكتظ الغرفة بالمصليات، عكس ما نجده في المكان المخصص للرجال من المسجد.

مشاكل أخرى

على الرغم من أن الواقع تغير وبدأت المرأة تشارك في كل مناحي الحياة جنبا إلى جنب مع الرجل وترتاد الفضاءات العامة يوميا، فهي تدرس وتعمل مما يستوجب وجودها في الخارج متى حان موعد الصلاة، لكنها لا تتمكن في أحيان عديدة من الصلاة لأن الكثير من المساجد تغلق أبوابها في وجه النساء.

من المشاكل الأخرى التي تعاني منها المقبلات على تعلم أمور دينهن وارتياد الجوامع لحضور الخطب الملقاة في المنابر هو غياب مكبرات الصوت في مساجد عديدة مما يعسّر عليهن متابعة ما يقال وهن معزولات عن جمهور المصلين، أو يحرمهن منه جملة وتفصيلا.

تساهم هذه المشاكل المطروحة في إلهاء المرأة المسلمة عن عبادتها، مع غياب ظروف ملائمة مريحة لها، تيسر عليها الخشوع في الصلاة والدعاء ومتابعة خطب الإمام والخطيب.

حقوق المرأة المسلمة

المرأة شأنها شأن الرجل، خلقها الله عز وجل لعبادته، وأكد الإسلام على مكانتها  في التكليف والوتجبات والمسؤوليات، وحقها في ممارسة العبادة في المساجد.

للمرأة حق في المساجد والجواكع والمصليات، مثلها مثل اخوانها المؤمنين من الذكور. إلا أن المرأة لا تجد ترحيبا بها في الكثير من فضاءات العبادة وتعامل على أنها دخيل غير مرغوب في تواجده بها، بدعوى الفتنة والازعاج إذا هي اصطحبت أبناءها لتيسير حضورها من جهة، وانشاء صلة وثيقة بينهم وبين بيوت الله منذ الصغر.

من حق المرأة أن يخصص لها مكان يليق بحجم ومكانة عبادة االله عز وجل، وهذا التمييز الخاطئ بينها وبين أشقائها الرجال في أكثر الاماكن قداسة و رفعة، يحط من قيمتها ومكانتها. رغم ورود آيات صريحة في القرآن الكريم تنص على المساواة في العبادة.” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  {الحج:77}،

علاوة على أن العناية بمصليات النساء، من ناحية التوسعة وتهيئة المعدات من سجادات وتكييف تعد ضرورة ملحة تسهل على المرأة حسن العبادة وتحقيق الاطمئنان والسكينة.

إن في التضييق على النساء في بيوت الله وعدم توفير الظروف الملائمة لهن للوضوء وأداء الصلاة وحضور الخطب والمناسبات الدينية حطا من شأن المرأة  وغمطا لحقها وجورا عليها لا ينبغي أن تقبله بأية حال من الأحوال، وينبغي عليها أن تسعى لتغييره تجسيدا لمعنى التكريم واستجابة لواجب عبادة الله عز وجل التي ما خلق الله عباده، نساءا ورجالا الا من أجلها.

 

يامنة القابسي، وفاء حكيري

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد