دين وحياة

العرفي والمسيار: محاولات لشرعنة العلاقات الحرة؟

برزت في السنوات الأخيرة أنماط للزواج لم تكن مألوفة في العالم العربي، من بينها “زواج المسيار” والزواج العرفي وحتى زواج المتعة. وهي ظواهر ما انفكت تنتشر في مجتمعاتنا خاصة في صفوف الشباب، فما الذي يميزها عن الزواج التقليدي كما نعرفه وما أسباب انتشارها؟

أنماط الزواج المستحدثة

يعد “زواج المسيار” من أشهر هذه الأشكال الجديدة للزواج، وهو يخضع لجميع أركان عقد الزواج المعروفة، ولكن المرأة تفقد فيه جميع حقوقها الشرعية.

في الماضي، سمي المسيار بالزواج السّري أو الخفي أو”زواج الخميس” لأن  الزوج لا يذهب إلى هذه الزوجة إلا يوم الخميس. وقد سمي كذلك بزواج “الملفا”، فالتجار كانوا يلجؤون إليه في أيام الترحال والسفر، فيتزوج التاجر بعقد المسيار وعند رحيله يترك زوجه عند أهلها ينفقون عليها دون تحديد موعد الرجوع.

فالمسيار اذن هو زواج تامّ الشروط منتفي الموانع، يتمّ بين الشخصين من رجل وامرأة بكامل الرضا ودون موانع، ولكنه يفقد المرأة المسلمة كامل حقوقها التي كفلها اياها الدين الاسلامي الحنيف وأوضحتها التشريعات المنصوص عليها في القرآن والسنة، من مهر ونفقة ومسكن.

وقد ساهمت عدة أسباب اجتماعية واقتصادية في تطور ونمو الظاهرة وتفاقمها في العالم العربي.

عوامل نمو  الظاهرة

تتنوع العوامل المؤدية إلى تنامي ظاهرة زواج المسيار، منها أسباب تتعلق أساسا بالمرأة، كمشكلة تأخر سن زواج المرأة أو الطلاق أو الترمل، إضافة إلى حاجة بعض النساء للمكوث في بيوت أهلهن لرعايتهم، مما يدفعهن للقبول بنمط المسيار.

ويقول الدكتور عبد الملك بن يوسف المطلق في دراسة فقهيّة واجتماعيّة له، ان رغبة بعض الرجال في التعدّد من أجل المتعة التي ربما لا يجدها مع زوجته الأولى، من ابرز أسباب انتشار زواج المسيار. ويشير المطلق الى ان 66.3% من بين 200 حالة لرجال لجؤوا لزواج المسيار، قد برروا ذلك برغبتهم في إقامة علاقة جنسية جديدة، وتحرّزاً من علم الزوجة الأولى.

وقد أبدى 85.9% ممن شملتهم الاستبانة أن السبب هو هروبهم من تبعات الزواج العادي وواجباته، كما رأى 61.3% من أفراد العينة أن عدم استقرار الرجل في العمل وكثرة تردّده على بعض المدن والبلدان يضطره في كثير من الأحيان إلى هذا الزواج، حيث الحاجة إلى زوجة مع عدم الاستعداد لتحمل مسؤولية الزواج كاملة، اضافة الى غلاء المهور التي تفرضها الأعراف والتقاليد الاجتماعية وارتفاع تكاليف الزواج.

أدت جل هذه العوامل المذكورة إلى البحث عن طرق جديدة للزواج، رغم أنها تفقد المرأة الكثير من حقوقها المادية، من مهر وسكن وانفاق واعلان و حتى انجاب في بعض الأحيان.

قد يرى البعض أن اللجوء إلى أنماط مستحدثة من الزواج مشروع بدعوى أنها أفضل من الانزلاق إلى المحرمات. لكنه في الحقيقة  ليس إلا طريقا ملتوية لإشباع الغرائز خارج الإطار المتعارف عليه للزواج، بأركانه الأساسية، وبأقل تكاليف ممكنة للرجل.

رأي علماء الدين

انقسم أهل العلم بين مؤيد لأنماط الزواج المبتدعة ورافض لها. حيث أباح الشيخ عبدالعزيز ابن باز –رحمه الله زواج المسيار مثلا، فعندما سئل عن الرجل هل يتزوج بالثانية، مع بقاء المرأة عند والديها، بحيث يذهب إليها في أوقات مختلفة تخضع لظروف كل منهما، أجاب رحمه الله بأنه : ” لا حرج في ذلك إذا استوفى العقد الشروط المعتبرة شرعاً، وهي وجود الولي ورضا الزوجين وحضور شاهدين عدلين على إجراء العقد وسلامة الزوجين من الموانع، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم : “أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج”.

اضافة الى مفتي جمهورية مصر العربية السابق الشيخ نصر فريد واصل الذي رأى أن هذا النمط جائز في حال الضرورة، حيث قال :”زواج المسيار مأخوذ من الواقع و اقتضته الضرورة العملية في بعض المجتمعات.

بينما اعتبر البعض الآخر أنه لا يحقق الغايات المنشودة من الزواج الشرعي الذي يضمن للزوجة حقوقها تماما كما الرجل، حيث يقول الله تعالى: “وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا “الأعراف: 189

ونلمس تشجيع الدين على أهمية بناء مؤسسة زواج سليمة وشرعية في قوله تعالى “وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً ورحمة.

الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى، كان من الذين لم يبيحوا زواج المسيار قائلا “: إن فيه مضار كثيرة على رأسها تأثيره السلبي على تربية الأولاد وأخلاقهم”.

كما رفض الشيخ عبد العزيز المسند، المستشار بوزارة التعليم العالي بالمملكة العربية السعودية والداعية المعروف بالمملكة، فقال: “زواج المسيار ضحكة ولعبة.. زواج المسيار إهانة للمرأة، ولعب بها..، فلو أبيح أو وجد زواج المسيار لكان للفاسق أن يلعب على اثنتين وثلات وأربع وخمس.. وهو وسيلة من وسائل الفساد للفساق… وأستطيع أن أقول: “إن الرجال الجبناء هم الذين يتنطعون الآن بزواج المسيار.”

الزواج العرفي

الزواج العرفي بدوره، يعد نمطا مستحدثا، معمولا به بكثرة في الوطن العربي وحتى في الدول العربية التي تمنع تعدد الزوجات، فيلجأ الرجل إلى الزواج سرا بسبب رغبته المتزايدة  في الاستمتاع بأكثر من امرأة ورفض الزوجة الأولى وجود ضرة عليها، مما يدفع الزوج إلى الزواج العرفي خوفا من تدمير أسرته وبيته.

وقد شهد هذا النمط من الزواج انتشار في مصر، خاصة في صفوف الطلبة، بسبب البطالة وارتفاع المهور وغلاء المعيشة وتكاليف تجهيز البيت.

وقد أكدت إحصائية صادرة عن وزارة التضامن الاجتماعي المصرية وجود 552 ألف حالة زواج عرفي بين طلبة الجامعات أي 71٪ من نسبة الطلبة في الجامعات المصرية والبالغ عددهم 5 ملايين طالب. كما ذكرت ان 41 ألف طفل مجهولي النسب قد ولدوا من هذه الزيجات غير الموثقة!

من جانبه اعتبر الدكتور نصر فريد واصل مفتي الجمهورية المصرية  أن الزواج العرفي ضرب من الزنا، لأنه لا تتوافر فيه أركان عقد الزواج الصحيح.

زواج المتعة

هذا النمط معمول به عند أهل الشيعة. يعرف كذلك بالزواج المؤقت أو المنقطع وهو أن يعقد الرجل على المرأة لمدة محدودة بشيء من المال، ثم ينتهي النكاح بانتهائها من غير طلاق . وليس فيه وجوب نفقة ولا سُكنى. ولا توارث يجري بينهما إن مات أحدهما قبل انتهاء مدة النكاح.

اتفق أئمة وفقهاء السُنة على بطلانه وتحريمه  وذلك لأن الرجل يستمتع بزوجته لمدة معينة ثم ينتهي بانقضاء المتعة في وقت لاحق.

وقد روي عن البخاري ومسلم ومالك في الموطأ  عن الزهري بسنده عن علي كرم الله وجه (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر (بضم الحاء) وقد أورده الامام مسلم في صحيحه.

تعددت أنماط الزواج المستحدثة في المجتمع العربي الحديث، حتى باتت نواقيس الانذار تدق محذرة من خطر تعسر الزواج والحاجة لإيجاد حلول لتأخره بتيسيره على الشباب وعدم وضع العقبات المادية الحائلة دونه.

ثم ان الغاية من الزواج  ليست فقط تنفيس الغرائز المكبوتة، بل تحقيق السكن والسكينة والتراحم والتواد والاستقرار، وهي غايات لا تتحقق الا مع شرط أساسي وضعه المشرع: وهو عقد النية على الديمومة والاستمرار حتى تتحقق الطمأنينة ويجد الزوجان في بعضهما السكن والسكينة.

الوسوم

رأي واحد على “العرفي والمسيار: محاولات لشرعنة العلاقات الحرة؟”

  1. مقال تثقيفى رائع يلقى الضوء على جانب خطير يؤثر فى حاضر و مستقبل الأمة الأسلامية و العربية بتعرضه للخلية الأولى فى المجتمع ألا و هى الأسرة التى مخرجاتها بالقطع تؤثر على الواقع و المستقبل فإن لم تكن مستقرة سليمة البنية و التواد و التراحم كان البديل الكراهية و التى أن تمكنت من أى مجتمع تصبح أقوى معاول الهدم ” ملاحظة على خطأ فى الطباعة 17% بدلاً من 71% فى نسبة الزواج العرفى بين طلاب الجامعات المصرية ” و أتمنى لكم الأستمرار و التوفيق و السداد

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.