مجتمعالرئيسي

تدني رواتب، تحرش وحرمان من الأمومة

معاناة المرأة العربية العاملة

يُمارس على المرأة العربيّة الكثير من الظلم والحيْف في سوق الشغل، فبالإضافة إلى أنّها تتقاضى راتبا أدنى من الرجل، فهي كثيرا ما تتعرّض للمضايقات والتحرّش، علاوة على أنّ جلّ قوانين العمل لا تحترم خصوصيّاتها، وخاصّة فيما يتعلّق بإجازات الولادة، أو في حالات الحمل الصّعب الّذي يتطلّب راحة مطوّلة ومتابعة طبيّة لصيقة.

كما أنّها تعاني صعوبة في الحصول على عمل لأنّ أغلب أصحاب الشّركات في الدّول العربيّة يعتبرون أنّ النّساء أقلّ إنتاجيّة من الرّجال وأنّ توظيفهنّ أكثر كلفة، وهي أحكام مسبقة تؤدي  إلى تقليص الفرص المتاحة أمامهنّ للتقدّم المهني.

وتُشير بيانات البنك الدولي إلى أنّ مساهمة المرأة العربيّة في سوق العمل لا تتجاوز نسبة 23٪، وهي النسبة الأدنى في العالم، مقارنة بـالنّسبة الأعلى الّتي تسُجّل في شرق آسيا وتبلغ 65٪.

رواتب هزيلة

يُعتبر مفهوم المساواة في الأجور بين النساء والرجال حديثًا من حيث الطرح، رغم أنّ منظّمة العمل الدوليّة أقرّته منذ سنة 1919 في دستورها، كركيزة أساسيّة للعدالة الاجتماعيّة.  وتمّ سنة 1951 إمضاء أوّل اتفاقيّة حول المساواة في الأجور اعتُمدت عقب الحرب العالميّة الثانية ووافقت عليها معظم الدول العربيّة وقتها.

وقد خلُص التقريرٍ السنوي، الحادي عشر، الصّادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في ما يتعلّق بمؤشّر المساواة بين الرّجل والمرأة لعام 2016، إلى أنّ الدول العربيّة تقع في ذيل المؤشّر. كما احتلّ اليمن المركز الأخير للعام الثاني على التوالي، في مؤشر الفجوة بين الجنسين، تليه  سوريا والمملكة العربية السعوديّة.

وأكّدت دراسة أجرتها مؤسّسة الملك خالد الخيريّة تضاعُف فجوة الأجور بين الجنسين في سوق العمل السعودي بمقدار 3 مرّات خلال عاميْن فقط، بنسبة تبلغ 332%، حيث كانت تُقدَّر بــ 324 ريالاً سنة 2014 لصالح الرجال لترتفع عام 2016 إلى حدود 1077 ريالاً.

كما بيّن   التقرير السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي، حول الفارق بين الجنسين في الرواتب والصّادر سنة 2016، أنّ المرأة السعوديّة تعاني من الفجوة الأوسع بين النساء الخليجيّات، حيث يقلّ راتبها عن راتب الرجل بحوالي 44٪.

في حين سجلت قطر أفضل أداء عربي في سد فجوة الأجور بين الجنسين، بترتيب عالمي في المركز 119 ،تليها الجزائر في المركز 120 ،ثم الإمارات العربية المتحدة المركز124 ،من ثم تونس في المركز  125.

وتُظهر الأرقام الواردة في تقرير وزارة العمل حول دخل السعوديّين العاملين في القطاع الخاص فروقات كبيرة في الرواتب بين الجنسين تصل في بعض المهن إلى أكثر من 100٪، بالرغم من توحيد ساعات العمل الأسبوعيّة وأيّامه بين الرجال والنساء العاملين في القطاع، باستثناء الأمّ المرضعة الّتي تقلّ ساعات عملها عن باقي زملائها بساعة واحدة مخصّصة للرضاعة.

أما فيما يهمّ الترقيات في السلّم الوظيفي فقد أظهر التقرير تفاوتا ضخما بين الجنسيْن، إذْ لا يتعدّى عدد النساء في المناصب العليا الستّ سيّدات مقابل تسعين رجلا بين مديرين ومسؤولين تنفيذيّين بالمملكة.

أمّا قطاعيّا، فنجد أنّ سلك الكهرباء والغاز هو الأكثر تفرقة  بين الأجور، بفارق يتجاوز921٪، تليه قطاعات الصناعات التحويليّة والتأمين والخدمات العقاريّة. ورغم أنّ المجال الصحّي يُمثّل مُشغّلا رئيسيّا للمرأة في السعوديّة، إلّا أنّها تتقاضى راتبا أقلّ بـ49٪ عن زملائها من الذكور.

في تونس، ووفق الدراسة التي قام بها المعهد العربي لرؤساء المؤسّسات والوكالة الألمانيّة للتعاون الدولي، فإنّ المرأة التونسيّة تتقاضى راتبا هزيلا،  أدنى من راتب الرجل ب15٪ تقريبا، فهي مطالبة بالعمل لـ37 يوما إضافيّا في السنة حتّى تتحصّل على نفس الراتب السنوي لزميلها. وأظهرت الدراسة أنّ ظاهرة التفاوت في الأجور على أساس النوع الاجتماعي لا تزال متواصلة في تونس، رغم اعتماد الدولة منذ سنوات نهج المساواة الكاملة بين الجنسين والقضاء على مظاهر التمييز بينهما.

لماذا التمييز بين المرأة والرجل في سوق الشغل؟

ثمّة قناعة سائدة بأنّ راتب الرجل يجب أن يفوق راتب المرأة، لا لكون الرجل أكثر مردوديّة أو لاختلاف طبيعة العمل، بل لاعتبارات اجتماعيّة وثقافيّة ترى أنّ الرجل هو المُعيل لعائلته وأنّ مسؤوليّاته الماليّة أكبر، وأنّ بنية المرأة الجسديّة لا تُخوّلها القيام بكلّ الأعمال الموكولة إليها، خاصّة في قطاعات مثل الفلاحة والمناجم، رغم أنّ العديد من المشغّلين يفضّلون المرأة لأنّها أكثر انضباطا حسب رأيهم.

إضافة إلى تعلّل من يضعون قوانين نظام التّأجير بمشكل الإنجاب، حيث يضطرّ أغلب النساء إلى التغيّب عن العمل والخروج في إجازات مطوّلة لعدّة أشهر، بينما يعود بعضهنّ إلى العمل بدوام جزئي بعد الولادة.

وحسب تقرير أعدّه معهد الدراسات الماليّة في بريطانيا، تشهد الفجوة بين الرجال والنساء اتّساعا متواصلًا في السنوات الّتي تعقب إنجاب الأطفال، بما يُفوّت على المرأة فرص الترقيات ويقف عائقا أمام مواكبتها للتطوّرات في ميدان عملهنّ، وبالتالي يؤثّر على الخبرات التي تمكّنت من اكتسابها وعلى قدرتها التنافسيّة مع زملائها الرجال، وهو ما ينعكس سلبا على مداخيلها الماليّة.

قوانين ظالمة للأمومة

في الواقع، لا تحترم أغلب التشريعات العربيّة خصوصيّة المرأة، وتحديدا فيما يتعلّق بالولادة والرضاعة. حيث تُعتبر القوانين ظالمة لها في جلّ الدول العربيّة، إن لم نقل كلّها، رغم ما تلعبه من دور مهم في بناء الأسرة، النواة الرئيسيّة للمجتمع.

إذ تخوض المرأة معركة يوميّة لتمكين رضيعها من حقّه في الرضاعة الطبيعيّة والعناية به، في ظلّ قوانين متعسّفة لا تراعي خصوصيّتها كأمّ ولا تقدّر الدور العظيم الّذي تلعبه في تجديد المجتمع، نجدها مطالَبة بنفس أداء الرجل حتّى في فترة الحمل وما بعد الانجاب، ثمّ يُدفع لها أجرا أقلّ منه مقابل العمل نفسه ويتمّ التّغاضي عن عدم نيل حقّها في الترقيات والتدرّج في السلّم الوظيفي، وهذا ما يدفعنا إلى إعادة النظر حول المقتضيات القانونيّة الخاصّة بالمرأة الموظّفة.

ففي المغرب مثلا، لا تتعدّى رخصة الرضاعة ساعة واحدة في اليوم فيما يسقط الأجر بالكامل في حالة رخصة التفرّغ العائلي.

وفي دول الخليج، تتراوح عطلة الأمومة (maternity leave) بين 40 و72 يوما، مع الاستدلال بشهادة طبيّة للحصول على إجازة إضافيّة بسبب مرض مرتبط بالحمل أو الولادة. أمّا في عمان، فتُحدّد عطلة الولادة بـ50 يوما ولا يُسمح للعاملة بأكثر من 3 إجازات ولادة طوال مدّة عملها.

بينما تُعتبر المرأة التّونسيّة محظوظة نسبيًّا، في هذا الجانب، حيث يعمل البرلمان اليوم على مراجعة وتعديل عطل الأمومة والأبوّة وما قبل الولادة، بما سيمكّن المرأة من عطلة مدفوعة الأجر قبل الولادة ضمانًا لصحّتها وصحّة جنينها، إلى جانب تمكين أحد الوالدين على حدّ السواء من عطلة ما بعد الولادة، تفعيلا لدور الاب في الاعتناء بمولوده ومسؤوليّته المشتركة مع الأمّ في العناية بالأبناء.

في مصر، يحقّ للنساء العاملات في كل الفئات أن ينلن إجازة أمومة لمدّة عشرة أسابيع، تشمل المدّة التي تسبق الولادة والمدة الّتي تليها، وذلك بعد الاستظهار بشهادة طبيّة تحدّد تاريخ الولادة المحتمل، وتدفع الأجرة كاملة للمرأة أثناء الإجازة.

الصمت على التحرش

إمّا الرضوخ أو الفضيحة، غالبا ما تتحكّم هذه الثنائيّة في مصير المرأة الّتي تتعرّض للتحرّش من قبل زميلها أو مديرها في العمل. ففي أغلب الأحيان، تلتزم المتحرش بها الصمت حتّى لا تكون عرضة للعار والقيل والقال، أو أن يُحمّلها المتّهم المسؤوليّة، كأن يدّعي أنّها هي من استدرجته وأغوته بهيئتها أو سلوكها. لكن يبقى الردّ الأكثر رواجا هو تجاهل الشكوى واعتبارها  مجرّد تهيّؤات في ذهن من تعرّضت للمضايقة والتحرّش.

هذا الصمت هو الّذي يفسّر غياب إحصائيّات وأرقام دقيقة حول التحرّش في أماكن العمل في منطقتنا، رغم بعض الاجتهادات لاتّحادات العمّال العربيّة، فالدراسة الّتي أجراها اتّحاد عمّال مصر سنة 2014، بيّنت أنّ 30 بالمائة من النساء العاملات يتعرّضن للتحرّش .

فيما احتلّت المملكة العربيّة السعوديّة المركز الثالث من بين 24 دولة في قضايا التحرّش في مواقع العمل. وذلك حسب دراسة أجرتها شركة أبحاث عالميّة لوكالة “رويترز” سنة 2014 وشمل 24 دولة. وبيّنت الدراسة أنّ 16٪ من النساء يتعرّضن للتحرّش من قبل المسؤولين في العمل.

وتختلف نسب تعرّض المرأة العاملة للتحرش حسب القطاعات. ففي الأردن مثلا، أظهرت إحدى الدراسات أنّ 25٪ من العاملات في قطاع السياحة تعرّضن للتحرّش والمضايقات. كذلك يضع العمل بالمستشفيات ليلا (خاصّة في مجال التمريض) النساء أمام خطر التحرّش. في تونس تقدّمت ممرّضة بداية سنة 2017 بشكاية إلى النيابة العموميّة ضدّ رئيسها في العمل، وجاء في نص الشكاية أنّ المسؤول تعوّد التحرّش بالممرّضات والعاملات، وأنّه يقوم بتهديدهنّ بالفصل والتشويه والفضيحة إن هنّ تجرّأن على كشف تصرّفاته المشينة.

وأمام ضعف دراسة الظاهرة، بطريقة علميّة ووفق إحصائيّات دقيقة، لم تنصّ أغلب القوانين العربيّة صراحة على فعل التحرّش سواءً من حيث توصيف الفعل أو تجريمه والمعاقبة عليه، باستثناء بعض الدول على غرار الأردن والمغرب والعراق والسعوديّة. فيما لا تزال القوانين ضعيفة في العموم. ففي مصر، وفي محاولة للتصدي لهذه الظاهرة، تمّ تشديد العقوبات لتصل إلى السّجن مدّة تتراوح بين 6 أشهر و5 سنوات سجن وغرامة ماليّة تصل إلى 50 ألف جنيه، ولكن تمّ فيما بعد تعديل القانون بإسقاط العقوبة السجنيّة.

كما أقرّ  قانون “مناهضة العنف ضد المرأة” المصادق عليه من البرلمان التونسي عقوبة السجن عامين وخطيّة ماليّة تصل إلى 5 آلاف دينار للمتحرّش سواء في العمل أو في الأماكن العموميّة.وفي السعوديّة وضعت وزارة العمل، سنة 2016، عقوبات صارمة وتدريجيّة لمن يثبت اقترافهم لجريمة التحرّش الجنسي في منشآت العمل، إذ تبدأ تلك العقوبات بالخصم من المرتّب، وتنتهي بالفصل النهائي من العمل إذا تكرّرت الواقعة أربع مرّات.

تشير دراسات دوليّة صادرة عن البنك الدولي أنّ نموّ نسبة النساء في قوّة العمل ترتفع سنويّا بنسبة لا تتجاوز 1٪ على مدى الثلاثين سنة الماضية. وإذا استمرّ النموّ على هذه الوتيرة الهزيلة، يتوقّع أن يستغرق لحاق المرأة العربيّة بالمستوى الذي تتمتّع به نظيرتها في الغرب نحو 150 عاما.

فالمرأة التي تتعلّم وتدرس وترتاد الجامعات وتثابر بهدف العمل وتحقيق الاستقلال الاقتصادي، تُصاب بخيبة أمل في سوق الشغل في ظلّ واقع من التمييز يمنح أفضليّة المناصب والوظائف ذات الأجور العالية للرجل. وهذا ما يطرح تحدّيات جديدة على المنظّمات الشغليّة والحقوقيّة للمطالبة بتطبيق القانون والالتزام بتشريعات العمل الدوليّة لإنصاف المرأة العربية العاملة وتمكينها من حقوقها كاملة.

دواجة العوادني- مروى وشير- تسنيم خلف

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد