ثقافة

السمكة في تونس، رمز للخير ودرء العين

تونس

 

“تبارك الله، يا حوّات، ياحوّات”، كلمات تتردد بكثرة وتطنب أسماعك في كل مناسبة اجتماعية تونسية. فالسّمك، أو الحوت كما يطلق عليه في تونس، يعد رمزا من رموز الخير والبركة والرزق، لذلك تراه يزين المآكل الشهية التي تقدم في الآعراس والاحتفالات بالختان وحتى الولادة وسط عبق البخور والعود الفوّاح.

تغنّى التونسيون “بالحوت”، فألّفوا عنه الأغاني والأشعار التقليدية و الشعبية، حتى باتت تردد في الأفراح  والمسرات، فتفتح بها الأعراس وتستقبل بها العروس أو العريس، بعد التكبير والتهليل والصلاة والسلام على نبي المرسلين.

 

“تنقيزة الحوتة”، عادة لا بد منها في الاعراس 

لا يمكن الحديث عن  حفل عرس في الشمال ومنطقة الساحل التونسي،  دون المرور على أشهر العادات وأكثرها جذبا للانتباه، وهي “تنقيزة الحوتة”، التي تحرص كل العائلات، خاصة المقيمة على الشريط الساحلي على ممارستها حتى في فصل الشتاء، فهي عادة متجذرة بعمق في المجتمع التونسي.

في محافظة بنزرت الشمالية مثلا، يحتفل أهل العريس بالعروس في اليوم الثالث للزواج، حيث يحضرون سمكة كبيرة الحجم،وتزيّن في طبق بالشرائط الملونة، ثم تتخطاها العروس التي تكون في أبهى حلة، سبع مرات، وسط الزغاريد والغناء الشعبي التقليدي. وترافق «تنقيزة الحوت» اغنية معروفة يحفظها كل الأهالي، “نقّز على الحوت ياعروسة نقزّ على الحوت…نقزّ على الحوت والحنّة والحرقوس كالتوت”.

اما في محافظة صفاقس التي تعرف بعاصمة الجنوب التونسي،  في محاولة تقليدية متوارثة لطرد العين والحسد وحماية العروسين، يقوم كلاهما بالقفز على سمكة “المناّني”، سبع خطوات.

 

” عيد الحوت”، و مهرجان “الزميمرة” الموسمية

من المنتظر أن تحتفل مدينة حلق الوادي الساحلية الجميلة بعيد “الحوت”، الذي يوافق يوم 25 من شهر اغسطس، في  مهرجان يمثل ظاهرة احتفالية شعبية تعكس ما تتميز به مدينة حلق الوادي من خيرات وثروة بحرية وتاريخية وسياحية، وهي المعروفة بأدبائها وشعرائها ورساميها، ناهيك عن مطاعم السمك الطازج المنتشرة على كورنيشها.

بينما كان للسمك موعد في بداية فصل الربيع، في مناطق رافراف والعالية ورأس الجبل والماتلين، هذه المدن الأندلسية الأصل، الواقعة أقصى الشمال التونسي الشرقي، حيث تم الاحتفال بمهرجان “الزميمرة” والتوت في شهر مايو الفارط.

و”الزميرة” أو “الشاوري”، أو الزرقة سمك يهاجر من الضفة الشمالية للمتوسط، بحثا عن المياه الدافئة، ليستقر لمدة وجيزة بخليج هذه الجهات التونسية، فيضفي حركية مميزة عليها حين يتهافت السكان لشرائه، اما لاستهلاكه أو لتخزينه بعد تمليحه وتجفيفه، نظرا لمذاقه الطيب وقيمته الغذائية العالية، فهو من الأسماك البيضاء غني بالبروتينات (20%) ويحتوي على نسبة ضئيلة من الدهنيات بالمقارنة مع الأسماك الزرقاء.

 

رمز لا مجرد غذاء

تعرف البلاد التونسية بموقعها الاستراتيجي المتميز وبمدنها الساحلية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، والتي تتخذ من السمك غذاءً رئيسيًّا. وهو الى ذلك رمز للكرم ووفرة الرزق والخيرات، فقلما زرت بيتا ساحليا تونسيا ولم يطعمك أهله وجبة الكسكسي العريقة بالسمك الذي يوضع بشكل بارز على سطحها لتزيينها.

 إن التفاؤل لمرأى السمك متجذر في الثقافة الشعبية التونسية. فالسمكة تتجاوز كونها غذاءا قيما نافعا، يكرم به الضيف على موائد الأعياد والاحتفلات فقط، فتراها معلقة على الأبواب المطلية بالأزرق المستوحى من لون البحر الأبيض المتوسط، والحلي التي ترتديها النساء والأقراط والعقود التي يلبسنها لبناتهن والأشكال التي يطرزن بها الألبسة والوسائد والأغطية. فهي في ثقافة أهل تونس الشعبية جلابة للخير والفأل الحسن، طاردة للعين والحسد وسوء الطالع.

وفاء الحكيري

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “السمكة في تونس، رمز للخير ودرء العين”

اترك رد