الرئيسيسياسة

المرأة النقابية: حاضرة في الساحات مقصاة من القيادة

لا تعتمد الدول العربية قوانين خاصة بالتمثيل النقابي للمرأة العاملة ولا تفرّق بينها وبين الرجل في الترشح للمناصب القيادية في النقابات،  لكن لا يزال تمثيل المرأة في القيادة النقابية ضعيفا لا يتماشى مع حضورها على الأرض ومساهمتها في العمل النقابي والدفاع عن حقوق العمال.

ففي تونس على سبيل المثال، ورغم تقاليد البلد العريقة على مستوى النشاط النقابي وحضور المرأة في المجال العام والحقوق التي تنعم بها، يمثل الحضور النسوي في الهياكل النقابية القاعدية 13 بالمائة، و4 بالمائة فقط في الهياكل الوسطى و العليا. ولم تتمكن المرأة من الوصول إلى المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل إلا في مؤتمره الأخير المنعقد قبل بضع أشهر.

وفي لبنان، لا تتواجد المرأة إلا في 2.5 بالمائة من المواقع القيادية للنقابات العمالية، في حين تعتبر النسبة مرتفعة  نوعا ما في الأردن، حيث تصل نسبة النساء العضوات في النقابات المهنية إلى حدود 23 بالمائة، و تبلغ في بعض القطاعات كالأطباء 56 بالمائة، إلا أنها لا تتجاوز نسبة 5 بالمائة في الهياكل المركزية.

هل تتحمّل المرأة المسؤولية ؟

على الرغم من تواجدها الكثيف في العديد من القطاعات كالصحة والتعليم وقطاع النسيج والملابس، سواءا من ناحية العمل أو الانخراط النقابي، لكنها لا تتمكن من بلوغ مراكز  القيادة في هذه النقابات في معظم الدول العربية. ورغم بعض الاستثناءات إلا أنها تبقى دون المأمول بكثير.

والسؤال المطروح هنا: من يتحمل المسؤولية في ذلك؟ هل أن المرأة غير مبالية بالقيادة النقابية، وأن اهتمامها يرتكز على النضال و الدفاع عن حقوقها من أي موقع ، والذي غالبا ما يكون موقعا خلف صفوف رفاقها الرجال الذين يتصدرون المشهد ويجلسون على كراسي القيادة والريادة؟

يرى ملاحظون أن للمسألة علاقة بمشاكل هيكلية تنطلق من العقلية الذكورية للمجتمع وأيضا للنقابات، فتاريخيا انطلق تكوين النقابات العربية في قطاعات تشغيلية ذكورية، على غرار السكك الحديدية والمناجم وعمال الغزل والنسيج والموانئ. هكذا، اقترن العمل النقابي بالرجل، خاصة زمن الإستعمار، كما هو الحال في تونس وجارتها الجزائر مثلا.  

حتى النقابية شريفة المسعدي التي صعدت إلى المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل بتونس سنة 1949، تمكنت من ذلك بفضل نضالها الوطني ضد الاستعمار الفرنسي. واستغرق الأمر قرابة 70 عاما لتتمكن المرأة للمرة الثانية من افتكاك مقعد في المكتب التنفيذي للمنظمة النقابية التونسية العريقة.

وفي هذا السياق، صرحت النقابية التونسية حياة الطرابلسي لمجلة “ميم” أن العائق الوحيد لوصول المرأة إلى القيادة النقابية هو نظرة الرجل الدونية للمرأة، المستخفة بإمكانياتها وقدراتها والتي لا تراها الا في المواقع الخلفية عاجزة عن تحمل المسؤوليات والضغوطات التي يفرضها النضال الميداني لتمثيل العمال ونيل حقوقهم والذود عنها بشراسة.

وتضيف محدثتنا، التي تشغل خطة الكاتبة العامة للجامعة العامة للمهن والخدمات بالاتحاد العام التونسي للشغل، أنه من خلال تجربتها الشخصية الممتدة لسنوات متعاقبة  صلب العمل النقابي، اقتنعت أن الرجل في الغالب لا يدافع عن تواجد المرأة داخل الهياكل النقابية، وإذا حانت الانتخابات يصوت لصالح نقابي لا نقابية لتمثيله، إلا في بعض الحالات الاستثنائية القليلة. لكن الطرابلسي أكدت في الوقت ذاته أن هذه العقلية الذكورية والممارسات التمييزية لن تثني النقابيات عن الوصول إلى مراكز القيادة.

خذ قطاع النسيج، وهو قطاع حيوي في تونس مثلا. تصل نسبة العاملات المنخرطات في جامعة النسيج إلى 90 بالمائة، في حين يتولى رجل رئاسة الجامعة. والمشهد ذاته يتكرر في قطاع الصحة، على مستوى المستشفيات العمومية والتمريض.

ينبغي أن نشير في هذا السياق ايضا الى ملابسات صعود امرأة إلى المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل، وهو  حدث عده المراقبون تاريخيا. في الحقيقة، سبق لنعيمة الهمامي الترشح، بصفة فردية،  في ثلاث مؤتمرات سابقة للاتحاد دون أن تتمكن من الفوز بمقعد في المكتب التنفيذي. ما ساعدها على تحقيق تلك العضوية التي طالما سعت إليها في المؤتمر الأخير، هو ترشحها ضمن قائمة توافقية، مع زوجها وآخرين، لا بشكل فردي، وهي القائمة التي فاز كل أعضائها بالانتخابات..

واعتبرت محدثتنا أن المرأة النقابية في بلداننا العربية تعيش نفس الوضعية، ولا تنجح الا  في حالات نادرة في افتكاك مسؤولية نقابية في اتحادات العمال. وهو ما يؤثر بدوره على تمثيلها صلب الهياكل النقابية الدولية، لذلك فحياة الطرابلسي العربية الوحيدة التي تتولى منصبا قياديا في الاتحاد الدولي للشبكات، وهي ممثلة منطقة شمال افريقيا في خطة مساعد رئيس للجنة المرأة الأفريقية .

نظام الحصة هو الحل

أما بخصوص الحلول المطروحة لتجاوز هذا الوضع المختل، فترى الطرابلسي أنه على المنظمات النقابية العربية تنقيح قوانينها الداخلية، واعتماد نظام الحصة، مثلما وقع في تونس، حيث أقر مؤتمر الإتحاد المنعقد في جانفي 2017 حصول المرأة على مقعدين في قيادة كل الهياكل القطاعية والمركزية و مقعدا في النقابات الوسطى. وهو ما يفرض أن تكون المرأة ممثلة بمقعدين في المركزية النقابية بداية من المؤتمر القادم للمنظمة.

في المقابل، فإنه على المرأة النقابية أن تواصل التحدي من خلال حملات التوعية والتدريب للنساء العاملات، حتى يكن نقابيات فاعلات، لا مجرّد أرقام وأعداد تمتلئ بهن الساحات عند الحاجة، وان تثق المرأة في نفسها وفي قدراتها النضالية وقدرتها على افتكاك حقوق العمال. الحقيقة أن المرأة تستبطن العقلية الذكورية ذاتها فإذا حان وقت التصويت تختار رجلا للدفاع عن حقوقها، لا امرأة إذا خيرت بين الاثنين، فتساهم في تهميش دورها وتغييب حضورها من حيث لا تدري.

المعركة لا تزال طويلة والطريق شاقة أمام النقابيات العربيات ليكن عنصرا فاعلا  وصوتا مسموعا داخل الحركة النقابية، ليس فقط محليا وإقليميا بل على المستوى العالمي أيضا.

دواجة العوادني

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد