مجتمع

رضيعة تحت قبة البرلمان التونسي : لماذا نرفض الطفل في الفضاء المشترك؟

لم تمر حادثة اصطحاب النائبة وفاء عطية، عن حركة النهضة، ابنتها الرضيعة إلى البرلمان كحدث عادي في الاعلام التونسي، رغم أن المشهد تكرر في أكثر من برلمان أوروبي. و لم تواجه النائبات الأوروبيات كل هذا الرفض والاستهجان على مواقع التواصل الاجتماعي . فقد اعتبره الكثيرون ردة فعل على الصعوبات التي تواجهها المرأة العاملة في التوفيق بين العمل و العائلة.

ردود الفعل حول حضور الرضيعة ذات الستة أشهر في البرلمان التونسي، أثناء جلسة حوار مع رئيس الحكومة، اختلفت بين مؤيد ورافض. فهناك من اعتبر أن النائبة خيّرت حضور الجلسة و عدم التغيب، على أن تبقى في المنزل اضطرارا للعناية بطفلتها.

وأن حضور طفل في قاعة الجلسات يبقى أفضل من مشهد النواب النيام أو المنشغلين بالألعاب و الفايس بوك على شاشات هواتفهم، أثناء التداول في مواضيع تهم المواطن ومؤسسات الدولة ، باعتباره ممثلا للسلطة التشريعية أحد ركائز الحكم في تونس.

وانتقد الكثيرون ردود الفعل السلبية أو ما عبروا عنه “بالنفاق الاجتماعي” فمن استحسن تصرفا مماثلا لنائبات غربيات استنكره عندما قامت به النائبة التونسية.

لمرة واحدة اصطحبت النائبة وفاء عطية رضيعتها إلى البرلمان، في حين أن الطفلة “فيكتوريا” أمضت قرابة السنة بالبرلمان الأوروبي رفقة والدتها، وهي النائبة ليسيا رونزولي، والتي رفضت تركها مع مربية اطفال ولو ليوم واحد . حتى أنها رفعت قضية لإعطاء المرأة الحق في اصطحاب طفلها إلى مكان عملها.

كذلك النائبة الإسبانية ،كارولينا بيسكانسا، والتي اصطحبت ابنتها الى البرلمان تعبيرا عن تضامنها مع المطالب النسائية بتأمين دور حضانة مجانية كافية لأطفال النساء العاملات ، تكون غالبا في مقرات العمل. رغم أن وزير الداخلية الإسباني اعترض على الأمر قائلا” لم أحب ذلك… ليس هذا مكانا مناسبا لوجود طفل”

النائبة السويدية، جيتي غوتلاند، جلبت معها ابنها الى البرلمان أثناء جلسة تصويت. ودعت لأن تكون أماكن العمل صديقة أكثر للأطفال.

وأكدت أنها أرادت أن تطبّع جلب الأطفال إلى العمل، حتى يتمكن الآباء من فعل ذلك عندما يكون ضرورياً. قائلة “أعتقد أن علينا أن نكون أكثر  صداقة مــع الأطفال، وبالتالي يمكن لهم أن يأتوا للعمل، حين يكون ذلك ممكناً”

خاصة وأن أعضاء البرلمان لا يمكنهم الحصول على إجازة أمومة أو أبوّة لأنه لا يمكن لأحد أني يعوضهم أثناء غيابهم أو أن يحل محلهم أثناء التصويت.

فضاءات غير صديقة للطفل

يفتقر الطفل في الكثير من المجتمعات إلى فضاء خاص به داخل الفضاءات المشتركة، مثل المطاعم والمقاهي و المساحات التجارية الكبرى. فالكثير منها لا تخصص بيوتا استحمام خاصة بالأطفال أو غرفا للرضاعة وتغيير حفاضات الرضع ، مما يضع الأم في موقف محرج في الكثير من الأحيان .

فالرضيع لا يكف عن البكاء إذا كان جائعا أو يحتاج لتغيير حفاظته، وهو ما يعتبره البعض من رواد المطاعم والمقاهي إزعاجا لهم . مما يضطر الكثير من عائلات الأطفال إلى مغادرة المحل اذا لم يتوقف طفلهم عن البكاء، ويلغي العشاء أو الوقت الذي خصصته العائلة للترفيه أو لقاء الأصدقاء.

في حين أنه كان يمكن تجاوز الأمر بغرفة صغيرة لا تتجاوز مساحتها المترين تستطيع فيها الأم أن ترضع طفلها أو تغير له ملابسه.

في المقابل تحاول بعض الأماكن الأخرى تدارك هذه النقائص، من خلال تخصيص فضاء للأم والطفل سواء للرضاعة أو للعب الأطفال، خاصة في الفضاءات المفتوحة أو ما يعرف لدى التونسيين بالمنتزهات.  

كذلك من الظواهر التي أصبحت متداولة لدى العديد من العائلات التونسية هي اشتراط عدم اصطحاب الأطفال إلى حفلات الزواج، إذ تتضمن بطاقات الدعوة ملاحظة كتب فيها ” الرجاء عدم اصطحاب الأطفال” . وكأن الطفل ليس من حقه أن يشاركهم الفرح وسيكون عبئا ثقيلا وعنصر قلق و توتر في قاعة الأفراح.

في المقابل تخصص أغلب المطاعم والمقاهي في المجتمعات الغربية و كذلك الخليجية،  قاعات ألعاب للأطفال تنفق عليها سنويا لتحسينها والعناية بها وتوفير العاب جديدة . ولكن حجم الإنفاق على هذه الفضاءات للأطفال لا يمثل سوى نسبة ضئيلة من الأرباح التي تحققها هذه المحلات . فهذا الامتياز سيزيد من قدرتها التنافسية ويكون المكان المفضل للعائلة ، وبالتالي جلب زبائن أكثر.

في تركيا انطلقت في شهر رمضان الماضي تجربة تخصيص أماكن للأطفال في المساجد ، حتى يتمكن الأهالي من أداء صلاة التراويح . وقد انطلقت التجربة في جامع ” أحمد حمدي أكسكي” في العاصمة أنقرة. ومن المتوقع أن تعمم على مساجد أخرى في رمضان المقبل. خاصة وأن الكثيرين استحسنوا هذه التجربة التي تسهل على العائلة أداء الصلاة في المسجد وايضا تربط الأطفال بالمسجد وبالصلاة.

يقترن مفهوم “العائلة المثالية والسعيدة” في المجتمعات العربية، بإنجاب الأطفال وأن الأم هي عماد الأسرة . والكل يردد “الأم مدرسة إن أعددتها أعددت شعبا طيب الاعراق”. لكن هذه الأم تصبح مصدر ازعاج للبعض إذا رافقها طفلها في الفضاء العام،  وكأنه نشاز في هذا الفضاء، وليس من حقه مشاركة الكبار فيه، مكانه فقط إما البيت أو حديقة الحيوانات ومدينة الالعاب. وليس من حقه دخول الفضاءات العامة الأخرى،  وإلا فإنه يتحول من ” زينة الحياة الدنيا” إلى  منغّص ومصدر  قلق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد